✍️ الفاتح عدوش يكتب…
#أعداء_النجاح
الشخصُ الناجحُ المتفوّقُ والوطنيُّ والمتفاني هو الضحيةُ في عالمٍ ثلثاه من الفاشلين، إن لم يكن أربعةَ أخماسه. فالمتأمّل بنظره في معظم المصالح والمؤسسات، قطاعًا عامًا وخاصًا، يجد أن الشخص الأمين ذا السلوكيات الراقية منبوذ وغير مرغوب فيه، بل وتُحاك له الحيل والدسائس كي لا يستمر بهذه النزاهة؛ وذلك لأنه بفعله هذا يكون قد أثار غيرة العاجزين وأشعرهم بالدونية، أو أوقف سيل المال العام في غير وجه حق. وهاتان تهمتان تكفي إحداهما لكي تجعله أحد نزلاء العناية المكثفة أو مستشفى الأمراض العقلية….
في الثقافة السودانية نجد الكثير من الحكاوي والممارسات التي تدل على أن الأغلبية المنهزمة تكره الأقلية المنتصرة والمنزّهة. فنجد أن فاطمة السمحة كانت ضحية جمالها، فأخذتها صويحباتها إلى الخلاء وربطنها إلى جذع شجرة كي تموت عطشًا. والأول في المدارس الابتدائية يُجلد جلدًا مبرحًا يوم النتيجة بكل أنواع الأحذية، فقط لأنه تقدّم الصفوف، وبالتالي يكون قد تسبب في تخلّف الآخرين ومعاداة السامية. وقد يكون هذا الشعور متأصلًا في البشر.
والدلالة على ذلك نجد أن أبناء سيدنا يعقوب كادوا لسيدنا يوسف، فقط لأنه مليح ونزيه وذكي، ويستأثر بحب أبيه، وكانت النتيجة أن قذفوا به في بئر، ثم أخذه بعض السيارة، ثم باعوه في مصر، لأنه يتمتع بصفات كريمة، وهذه في العرف العام جناية….
وأراهن على أن المتميزين الذين هاجروا إلى بلاد أخرى لم يذهبوا بحثًا عن المال، لأنهم قادرون على الحصول عليه هنا. والناجح في بلده ناجح أيضًا خارجه. وقد قال الرسول الكريم ﷺ:
«خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام».
إذن ما السبب؟ السبب هو مضايقة الزملاء ذوي السلوكيات المعوجة، والذين قعدت بهم ظروفهم لفقدانهم الأهلية أو مقومات الاستمرار المتميز، فجنحوا إلى مضايقة المتفوقين كي لا يظهر عجزهم وقعودهم. وبما أن تلك الأقلية السمحة الراقية تستنكف أن تدخل في مساجلات مع الأغلبية الفاشلة، خاصةً وأن المضايقة تتكون من الصغائر ويكون أثرها مؤلمًا بالتراكم، فإن الناجح لا يثير قضية ولا يفتح بلاغًا، فقط يكتفي بأن يتقدم باستقالته أو يذهب في سكوت إلى بلد آخر بحثًا عن التقييم، وبعيدًا عن الحسد….
والحسد يكاد يغطي كل أنواع النجاح بل ويفيض. وتعريف الحسد هو تمني زوال نعمة الغير كما عرفنا. أما الآن فقد ظهر جيل جديد من الحسد، أي حسد بميزة الـ 4K، وهو تمني زوال الغير (ذاته)….
ولكي نضع النقاط على الحروف، فهذا الحسد لا يأتي من بعيد، إنما يأتي من زملائك في مهنتك، أو جوارك الجغرافي، أو حتى الأرحام، لأن الذي خارج هذه الدوائر ليس بينك وبينه ما يستوجب المضايقة أو الحسد.
لذا نجد أن أعز أصدقاء التاجر محاميه، وصديق الطبيب قاضي، وصديق السائق محاسب. زد على ذلك تجد أن أي شخص تكون علاقته حميمة بالأباعد؛ فالذي يسكن بري نجد أن أصدقاءه في أم درمان، وزول جبل أولياء صديقه في سوبا، وهكذا….
وعدم الاحتكاك هذا مهم جدًا، والأحسن كذلك عدم المعرفة إلا على من رحم ربي؛ فهذا الذي يقلب حادث الحركة من قتل عمد إلى مخالفة، والسبب الرئيسي بأنه لا توجد معرفة تستتبعها ضغائن أو حسد. بهذه النظرية يكون الناتج: إذا أردت أن تحتفظ بشخص ما، فيجب ألا تتعرف عليه إلا بعد أن تتأكد من جميل خصاله….
وإذا لزمنا الصمت فسوف نصحو يومًا ونجد أن كل الطيبين والمهرّة والأذكياء قد غادروا مواقعهم، وتكون المؤسسات والمدن حكرًا على الذين يجيدون صناعة المتاريس وتعويق دواليب التنمية….
والحسد يولد مع الإنسان، وهو نشاط هدّام يكبر مع الزمن، وعلاجه غير موجود، لأن الحسد نفسه ما معروف وين، يعني ليس مثل الحَبَن والصداع والانزلاق الغضروفي….
وفي السودان نجد أن الشخص إذا أراد تأكيد شيء ما بلّ سبابته ووضعها أسفل حنجرته وقال: «في ذمتي دي»، لكنك لو فتحت هذه المنطقة بمشرط معقم لن تجد أي أثر للذمة التي أشار لها هذا الشخص. ومع ذلك يقبل الناس هذا التأكيد. زد على ذلك لم أجد في حياتي لافتة طبيب مكتوب عليها: أخصائي أمراض السكر والغدد الصماء والحسد….