آخر الأخبار
اخبارك في موعدها

خيانة النص __ تمرد برائحة الإبداع نه

شبكة الوريفة الإخبارية

بقلم الناقد
ابراهيم عبد القيوم ابو منذر

خيانة النص: حين يكتب البطل روايته الخاصة بعيداً عن المؤلف
​بقلم: [ضع اسمك هنا]
​تمهيد: لحظة الانفصال العظيم
​يبدأ الأمر دائماً كعلاقة سيطرة؛ الكاتب يمسك بالخيوط، يحدد ملامح الوجه، نبرة الصوت، ونقطة النهاية. لكن في لحظة غامضة، يشعر الكاتب بـ “مقاومة” غريبة تحت أصابعه. الحبر الذي كان ينساب طوعاً يبدأ في التمرد. هنا تقع “الخيانة الكبرى”: الشخصية ترفض الموت، أو ترفض الحب، أو ببساطة.. ترفض أن تكون كما أراد لها خالقها. نحن لا نتحدث هنا عن استعارة أدبية، بل عن ظاهرة سيكولوجية يعيشها كبار الروائيين، حيث يستيقظ “المخلوق” ليعيد صياغة قدره، تاركاً “الخالق” في حيرة من أمره.
​أولاً: سيكولوجية التمرد.. من أين تبدأ الثورة؟
​التمرد لا يبدأ بانقلاب عسكري داخل النص، بل يبدأ بـ “منطق الشخصية”. عندما يبني الكاتب شخصية بعمق إنساني حقيقي، فإنه يمنحها دون قصد “إرادة حرة”. الشخصية التي تمتلك تاريخاً ودوافع وجروحاً تصبح محكومة بـ منطقها الخاص لا برغبة المؤلف. إذا حاول الكاتب إجبار بطلٍ “شجاع” على الهرب، سيتلعثم القلم، وسيبدو المشهد مزيفاً. الشخصية هنا تقول للمؤلف: “أنا لا أفعل ذلك، ابحث عن مؤلف آخر يرضى بهذا الزيف”.
​ثانياً: نماذج من “تمرد الشخصيات” في الأدب العالمي
​لكي يكون مقالك قوياً، إليك أمثلة واقعية عاشها كبار الكتاب مع أبطالهم:
​ليون تولستوي (أنا كارنينا): يُحكى أن تولستوي بكى عندما انتحرت “أنا كارنينا” تحت عجلات القطار. لم يكن يريد لها هذه النهاية المأساوية، لكنه قال لأحد أصدقائه: “أبطالي يفعلون ما يجب عليهم فعله في الواقع، لا ما أريده أنا”. كارنينا هي التي قادت تولستوي إلى السكة الحديد، وليس العكس.
​فيودور دوستويفسكي (الإخوة كارامازوف): كان دوستويفسكي يخطط لجعل “أليوشا” شخصية ثورية تخوض غمار السياسة، لكن “أليوشا” فرض عليه صمته الرهباني وصفاءه الروحي، وجعل الرواية تسير في مسار لاهوتي وفلسفي لم يخطط له دوستويفسكي بدقة في مسوداته الأولى.
​أوجات كريستي (هيركول بوارو): في حالة غريبة من الكراهية والتمرد، صرحت كريستي مراراً بأنها سئمت من بوارو ووصفته بأنه “مغرور ومزعج”، لكنها لم تستطع قتله لسنوات طويلة. بوارو كان قد استقل تماماً عن إرادتها، وأصبح يملك جمهوراً يمنع المؤلفة من المساس بحياته.
ثالثا: نماذج من تمرد الشخصيات في الأدب العربي: كبار الروائيين العرب اعترفوا في حواراتهم بأن شخصياتهم كانت “عنيدة” لدرجة غيرت مسار الروايات بالكامل. إليك أمثلة عربية لافتة تعزز من قيمة مقالك وتجعله قريباً من القارئ العربي:
​1. نجيب محفوظ (ثلاثية القاهرة)
​يُعد “السيد أحمد عبد الجواد” من أكثر الشخصيات التي استقلت عن مبدعها. يذكر محفوظ في مذكراته أنه كان ينوي تقديم نقد اجتماعي صارم لهذه الشخصية، لكن “سي السيد” بفرض حضوره الطاغي وتناقضاته الإنسانية بين البيت والحي، جعل محفوظ يتعاطف معه لا إرادياً. تحول “سي السيد” من مجرد “نموذج للأب المتسلط” إلى “أيقونة إنسانية” معقدة، لدرجة أن الشخصية هي من أملت على محفوظ وتيرة التطور الدرامي في “قصر الشوق” و”السكرية” بعيداً عن المخطط الذهني الأولي.
​2. الطيب صالح (موسم الهجرة إلى الشمال)
​شخصية “مصطفى سعيد” هي المثال الأبرز لتمرد البطل. لقد خلق الطيب صالح بطلاً شديد الغموض والذكاء لدرجة أن البطل أصبح هو من يقود “الراوي” (والقارئ خلفه). يقال إن الطيب صالح وجد نفسه مضطراً لملاحقة أسرار مصطفى سعيد في لندن والسودان، وكأن الشخصية كانت تخبئ أسرارها حتى عن خالقها. لقد “خان” مصطفى سعيد فكرة “البطل التقليدي” وتحول إلى لغز وجودي لم يستطع حتى الطيب صالح تفسيره بشكل كامل.
​3. رضوى عاشور (ثلاثية غرناطة)
​في شخصية “مريمة”، نجد نوعاً رقيقاً ولكنه صلب من التمرد. كانت رضوى عاشور تكتب تاريخ السقوط، لكن “مريمة” فرضت منطق “البقاء والتمسك بالأرض”. الشخصيات في الثلاثية، وبخاصة النساء، هن من رسمن ملامح الصمود والحزن، وكأن الروح الغرناطية هي التي كانت تحرك قلم رضوى وليس العكس. مريمة لم تكن مجرد شخصية، بل كانت “ذاكرة” ترفض الانصياع لقسوة التاريخ الذي تحاول الرواية رصده.
​4. إبراهيم الكوني (روايات الصحراء)
​في عوالم الكوني، الشخصية ليست بشراً فقط، بل “الصحراء” و”الناقة” و”الودان” (حيوان جبلي). يعترف الكوني دائماً أن الصحراء هي التي تملي عليه النص. أبطاله (مثل أبطال رواية “المجوس”) هم كائنات تسكنها الأساطير، وغالباً ما تنتهي مصائرهم بطرق لم يتوقعها الكوني نفسه، لأن “قانون الصحراء” داخل الرواية أقوى من “مخطط المؤلف”.
​كيف تدرج هذه الأمثلة في المقال؟
​أقترح إضافة فقرة بعنوان: “التمرد في المتخيل العربي: حين يستقل البطل عن عباءة المؤلف”.
تحدث فيها عن أن الكاتب العربي، رغم سطوة الواقع المحيط به، إلا أن أبطاله يمارسون “الحرية” الأجمل فوق الورق، فيخونون توقعات المجتمع وتوقعات المؤلف نفسه.
​رابعا: خيانة النص بوصفها ذروة الإبداع
​لماذا نعتبر “خيانة الشخصية” دليلاً على عبقرية العمل؟ لأنها تعني أن النص قد “تنفّس”. الشخصية التي ترفض أوامر المؤلف هي شخصية خرجت من الورق لتصبح كائناً حياً. إن “خيانة النص” هي اللحظة التي يتحول فيها الكاتب من “ديكتاتور” إلى “وسيط” أو “مؤرخ” يسجل ما تمليه عليه الشخصيات. في هذه الحالة، يصبح الكاتب هو القارئ الأول لعمله، ينتظر بدهشة ليرى ماذا سيفعل بطله في الفصل القادم.
​رابعاً: عندما يصبح البطل هو “المؤلف الفعلي”
​في الأدب الحديث، تطور التمرد ليصبح موضوعاً للرواية نفسها. نرى شخصيات تدرك أنها داخل كتاب وتحاول الهروب منه (كما في بعض أعمال ميغيل دي أونامونو أو لويجي بيرانديللو). هنا تتحول الخيانة إلى مواجهة وجودية: من يملك الحق في تقرير المصير؟ الورق أم الخيال؟
​الخاتمة: مديح الخيانة الإبداعية
​في الختام، إن أفضل الروايات هي تلك التي خان فيها الأبطال مؤلفيهم. فالرواية التي تلتزم بـ “الخطة” غالباً ما تكون رواية ميتة، ينقصها نبض المفاجأة. الخيانة هنا ليست غدراً، بل هي اعتراف بأن الحياة أكبر من أن يحاصرها حبر، وأن الشخصيات العظيمة هي التي تمتلك الشجاعة لتقول لمبدعها: “شكراً لأنك منحتني البداية، واترك لي مهمة كتابة النهاية”.

شاركـ علـى
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.