أيطل الربيع؟ زكية احمد عيسي ج4
لقد علمتني كيف احبك يا عبده ولكنك لم تعلمني كيف أنساك ؟! وقد كان عليك ان تقوم بذلك ، وانت تقول لي :
“في حالة لن نكون لبعض عليك أن تنسيني، وسأعلمك كيف يكون النسيان “!
ولكننا لم نحسب بأننا قد لا نكون لبعض ! سناء الوحيدة هي التي كانت تضع ذلك، بقناعة ان الأحباء لا يجتمعون. وهي تستدل بقصص الغرام العالمية ، وكنا نعتبرها متشائمة ! أحقا كانت متشائمة ، أم كنا نحن متفائلين أكثر من اللازم ؟ !
وضحكت غادة مني عندما حكيت لها ما حصل ، وهي تقول لي
-بريرية ، ليس هكذا تعالج قصص الغرام !
وعندما سألتها بسرعة
– كيف تعالج إذن ؟
ردت بهدوء :
-بالرغبة ، فإن كانت رغبتكما في بعض متقدة ، ستجتمعان يوما …..
وقد أراحتني هذه الإجابة كثيرا.
فرغبتي في عبده متقدة ، مثل نار الثقابة ! وعليها ان تبقى كذلك ، سأوقدها بنار الذكرى ،
وأشعلها بحطب الأحلام……
ونصحتني غادة بأن أحارب الفراغ حياتي؛ فأملأ زمني بهواية، عادة رياضة، أي شيء أمارسه باستمرار، وأستفيد من ممارسته. ولكني فكرت أن أعمل أقلاها أساعد أمي في مصروف البيت.
وفكرت أن أتاجر في الأجهزة الكهربائية فهي مرغوبة ، ولا تفقد سعرها مع الزمن، ولا تتلف بالتخزين ، لكني كنت لا أدري كيف ستكون هذه الخطوة ؟ !
ويوما ونحن جالسين أنا وغادة وعمي الطاهر ، جهزت لهما القهوة. كانا يدخنان الشيشة وهما رايقان ! لم أفكر أن أشاركهما التدخين يوما. ولم يفرضا علي ذلك .
فتحت لهما الموضوع قائلة:
– كنت أريد أن أتاجر في الأجهزة الكهربائية، حتى أساعد أمي في مصروف البيت.
رد عمي الطاهر سريعاً
ـ سوف أعطيك خمسة ألف شهرياً لتساعدي بها في البيت ، لا تشغلي نفسك
بموضوع التجارة هذه.
حينها رديت بسرعة :
. لن أستغلك يا عمي الطاهر، لن أستغلك أبدا.
عندها حاول عمي الطاهر أن يقول شيئا ولكن غادة اسكتته بيدها قائلة :
ـ إنها فكرة جيدة يا عمي الطاهر وبدلاً من أن تعطيها خمسة ألف شهرياً، تعال نتفق سويا، ونعطيها رأس مال كبير لتعمل به أولان، حتى تكوّن نفسها، و بعدها ننسحب وندعها وحدها عملاً بالمثل القائل “لا تعطني سمكة ، ولكن علمني كيف أصطاد السمك” .
ضحك عمي الطاهر قائلا :
– والله ياكي بت أبوك ! نفس كلامه و اسلوبه في الحياة.
فكرت غادة في أبوها وهي تتذكره ، لولا إسلوبها هذا لما عاشت في هذا العز الذي هي فيه الآن .
ولكن مي لم تكن جادة في الموضوع ! وبذا نسيا الاثنان الأمر، ولم يتطرقا اليه أبداً.
صارت مي تهتم بالأشجار والزروع التي في بيت عمي الطاهر ، بل أخبرته بأنها تحتاج أن تشتري شتول وأصايص جديدة ، فرحب جداً بالفكرة وجعل مبلغا من المال تحت تصرفها، لهذا المشروع.
وحتى تنسى مي أحزانها قررت أن تندمج في هذا المشروع ، فجعلت تشتري كل يوم شتول جديدة وهي تنتقل من مشتل لأخر ، وصارت هي وعمي الطاهر ينسقان موضعها، وسقايتها، وفجأة دبت في بيت عمي الطاهر الحياة ! وفي فترة لم تتجاوز الثلاثة شهور، صار بمنزله ما يقارب الثلاثمائة شتلة ! بألوانها الجميلة ،
وزهورها النضرة ، ورائحتها الفواحة.
وعمي الطاهر سعيد بذلك، قال لها مرة وهو وسط هذه الجنة :
– أشكرك يا مي ، لقد أسعدتني حقيقة بوجودك في حياتي…..
ردت بسرعة :
– وأنت أسعدتني أيضا …..
وكانه لم يصدق ! فحين يتذكر لياليه السوداء معها في السرير ، لا يصدق ذلك فسألها
– حقيقة يا مي ؟ !
ضحكت قائلة ، وهي تتجاهل أحزانها التي صارت تخزنها مع الأيام .
– حقيقي يا عمي الطاهر ……
وضحك القدر، وهو ينظر إليها من بعيد !
كما ضحك صاحب المشتل عندما عرف أن عمي الطاهر زوجها وفكر فيها حينها ، فهو يدرك ان هذا العجوز في السرير مع هذه الصيدة ، سيكون مثل حبوب فتح الشهية لا غير …..
تلك الحبوب التي ما ان تتناولها إلا وتشعر بالجوع ، بعد دقائق قليلة . وكانت هي تدرك ذلك ، ولكن ماذا بيدها ؟ ! وسألها وهي في داخل المشتل المظلل عندما وجد فرصة :
– الراجل ده شغال بجد ؟ !
ولم تفهم فسألت :
-قصدك شنو ؟ !
ورد بجرأة لم تتوقعها :
– قصدي شغال في السرير !
فضحكت ، لحظتها عصرها عليه بشدة وقبلها بسرعة ! فلم تستطع أن تقول شيئا لأن عمي الطاهر كان بالخارج ، ولأنها في هذه اللحظة بذات ، كانت مبهدلة كما يقول عبده أكثر من صاحب المشتل نفسه.
وعندما ودعها قال لها بكرة تعالي لي الصباح بدري شديد ، عندي حبوب سماد ممتازة، سأحضرها لك. لازم تحضري بدري لأني طالع..
ورفضت أن تحضر، مع أن شياطينها حثتها على الحضور ! فظلت ساهرة طول الليل وهي تفكر هل عليها الحضور ؟ !
وظل عمي الطاهر ساهراً يفكر ” هل حقيقة مي سعيدة معاه؟!” وهو يتذكر الليالي الحمراء التي عاشها مع أم الأولاد،ويتساءل ماذا حدث الآن! أهو العمر أم نضب معين الرجولة لديه !!
وفي الصباح حزمت مي أمرها كلا لن تذهب ، لن تذهب أبدا …. عمي الطاهر أصر على ذهابها ! عندما رآها غير متشجعة ، أصر أن يذهبا لصاحب المشتل معا ! !
ومرة ومي تسقي في شتولها لاحظت شيئا ، أن للصبار الدائري الشكل زهرة وفرحت جدا ، أللصبار زهرة ؟ ! آه ونظرت إليها، وردية اللون زاهية، لها خطوط صفراء رقيقة، ويتدرج الوردي من الأغمق إلى الأقل في أعلاها، وهي تكون طويلة مغلقة ثم تتفتح بزهو، ونضرة فريدة ! وجعلت تردد زهرة الصبار ! . زهرة الصبار و ادركت أن حياتها مثل هذه الصبارة ، مليئة
بالأشواك ، ولكن بها زهرة فرح نضرة ….. لا تظهر في حياتها كثيرا ، وإن ظهرت لا تبقى فزهرة الصبار تسقط بتلاتها بعد يومين، ثلاثة لا غير …. إنها …. إنها عبده…..
وعندما تتذكر فقد عبده في حياتها ، تصير هي نفسها ( صبارة) ، رغم السحر الذي يحيط بها .
فما فائدة البهاء إذا كان عبده لن ينظر إليه، وما جدوى السحر إذا لم يصاب عبده به يوما …..
وسافر عبده ! سافر الى ليبيا غربا عن طريق الصحراء ، وأدرك عندما وهن من وعثاء السفر، وهجير شمس الظهيرة في الصحراء، انه اختار الوسيلة الأنسب لنسيان مي، فلابد أن ينساها، ولا يحاول أن يتصل بها أبدا، تحقيقاً لرغبة والدته !
وفكر هل والدته تريد له الخير بقولها ذلك ؟ ! لقد قالت إنها تريد له الخير عندما زوجته مها وجعلته يدور في حلقة مفرغة لأنه كان يدرك أنه ومها خطان متوازيان ، فلا شيء يجمع بينهما ، حتى سرير الزوجية لم يفلح في الجمع بينها ! فكيف يجتمعان ؟ !
حاول عبده أن يعذب نفسه حتى ينساها، نظر حوله رجال مُتعبون كل يحمل أحلامه ويرحل …. وفي ليبيا يريدون تحقيقها، أو تحقيق بعض منها، وأكثرهم كان يفكر أن يهاجر من هناك، فالبحر الأبيض يغريهم بالقصص التي يسمعون عنها وعن تخطيه بالسنبك والذهاب للشط الآخر ، أياً كان ! المهم بعيدا عن الوطن، حيث لا شيء لهم سوى بالوساطة و المحاباة من السلطات الحاكمة، والتي لا يملكونها أبدا كانوا سبعة رجال صبيان، أربعة شباب، ورجلاً ستيني العمر . أتراه يحمل أحلام أم يرحل من أجل امرأة تركها خلفه، تريد أن تملك شيئا لم يحققه لها بعد ؟ ! وتساءل هل منهم من يرحل من أجل النسيان ؟ !
هل منهم أحد يريد أن ينسى حبيبته، فيهاجر وهو يحمل أحزانه معه كما يفعل هو ؟ ! ! يهاجر بعيدا …. بعيدا عله ينساها …..
واختار أن يعمل في البناء، فالعمل الشاق يجعله مجهداً ينام متعباً، ودون تفكير حتى الصباح ويعيد الكرة من جديد …..
وكانوا كمجموعة يجتمعون مساءا ، يلعبون الكتشينة ، والنرد، ويدخنون، إلا هو كان منعزلاً وقد تشاجر مرتين مع كل من حاول أن يعلق عليه ، ليجتمع معهم !
فقد ظل يُسجر وحيداً وهو منزوي بعيداً ، سجارة تلو الاخرى ، دون حساب ! ونادرا ما يتكلم مع أحدهم ، حتى أطلقوا عليه فيما بينهم اسم ” النمر الصامت “ولكنهم لم يعلموا فهو لم يكن نمرا، بل كان مُتنمراً …..
كانوا يعملون في مدينة سكينة غرب بنغازي، وقد أدرك بخبرته هنا أن البناء الراسي عصارة أجساد منسية! أما البناء الأفقي فهو ضياع لمساحة المكان، وتمنى ان تحقق مثل هذه المشاريع في السودان، وأن تكون بسيطة الأسعار، حتى يستطيع الجميع امتلاكها.
ظل ينزوي بعيدا وهو يدخن أو يقرأ في كتاب، ومع ذلك …. مع إنه يريد أن ينساها، ولكنها تزوره كل مساء !! يرى وجهها في النجوم تبسم بأمل آت …. وأحيانا يراها في وسط كتاب قديم وكأنها تقول له ” أقراني حبيبي” …… وأحيانا أخرى يراها في دخان سجارته عندما ينفثها طالبا نسيانها وهي تدعوه ألا يحرق نفسه لأجلها …..
أراد أن يهرب منها وهي معه كل حين يريد أن ينساها فيتذكرها أكثر …… وهي تشده بسحرها الخفي، ذلك السحر الذي لا يستطيع الفكاك منه فظل حزيناً، حزيناً لأنه فقدها يوما ….. وحزينا لأنها صارت لغيره …. وحزينا لأنه لم يستطع نسيانها …. وأدرك حينها شيئا واحد، أتدرون ما هو ؟ أدرك حينها أن الحزن ينبت كالأشجار ! ……
ظل عبده يتعذب بنار الغيرة ، كلما تذكر أن مي في أحضان” عمي الطاهر ! وتمنى لو يموت وهو في أحضانها الندل …. الحقير …..
الانتهازي …..
فما كان يفترض به أن يتركها تتزوجه كان عليه منعها، ولو استدعى
الأمر خنق ذلك العجوز، حتي تزهق روحه في يداه !
فهو يدرك الآن أن ذلك العجوز قد تفوق عليه ! تفوق عليه كثيرا، أقلاها هو يمتلك الجوهرة بين يديه ، بينما يدي عبدهـ يباب ! يدي عبده تمتلك الخراب والحسرة والندم …..
لقد خسر عبده ، خسر خُسرناً مبيناً، والأسوأ أنه خسر مرتين ، خسر قديما والآن !
لقد صار عبده في عالم بعيد …. لا يفكر في شيء سوى مي! ولا يتذكر شيء سوى فقدها، وذكرياتهما معاً ! حتى عندما راسلته سناء قبل فترة موضحة أن مها أجهضت طفلها ، لم يهتم فهذا الطفل بالذات ، غير مرغوب فيه بالنسبة اليه !
صارت مي مسهدة لا تنام الليل .
أعصابها لا تنام وهي تتمنى لو كان عبده بجانبها، وتحلم به، وهي تتخيله مكان ” عمي الطاهر ” ! وتتخيل ما يمكن ان يحدث لها معه، وحالها لو كان هو زوجها ! صارت شاحبة هزيلة كثيرة التوهان وكأنها تعاني مرضاً ، سألتها غادة مرة ماذا بها ؟ ردت وهي في شرودها
-لا شيء …. لا شيء يا غادة ……
قالت غادة بغيظ
– كيف لا شيء ! وأنت مثل المريضة …. أكيد هناك شيء !
ردت بلامبالاة :
– لا شيء جديد يُذكر !
قالت غادة :
– أكيد عبده مسيطر عليك هذه الأيام….. انت يا بت عبده ده ساحرك ؟
-أبدا بس ما قدرت أنساه…..
– تنسيه كيف ؟ وأنت كل يوم تقارني بين عمي الطاهر وعبده في السرير ! يا بت ما في مقارنة بين كهل في السبعين ، وشاب في الثلاثين !
حينها ردت مدافعة
-عمي الطاهر ليس في السبعين
ضحكت غادة قائلة
-خلاص كم يا ربي سبعة وستين مناسبة معاكي ؟ !
وظلا يضحكان …. قالت مي
-تصدقي أنا أقارن كل رجل بعبده، حتى بشير زوجي الأول، و ابن عمي قارنته به.
نظرت لها غادة ، ثم قالت
ـ نصيحة مني ليك يا أختي لا تقارني أحدا بعبده، لأنك ستكوني خاسرة، أو هكذا سيبدؤ إليك الأمر . مع أن عبده ليس أميراً، ولكنك حسب عشقك له ترينه أمير زمانه.
لذا دعيه ليبقى أمير على قلبك فقط ولكن ليس على كل شخص فهمتيني ؟
وهزت رأسها، بهدوء لقد فهمت، ولكن ليس بيدها …..
وحاولت أن تتصل بعمار الصغير ولكن ماذا تقول ؟ أتحكي له عن ” عمي الطاهر “وماساتها معه في السرير ! أم تقول له أني أحتاجك، فكرت قليلاً، ووجدت أن خير وسيلة هي أن تذهب اليه في عمله ، وهناك تسير
الأمور كما يكتب لها القدر …..
ما أن رآها وهي داخلة عليه في الصيدلية مبتسمة إلا وشعر بسحرها ! ذلك السحر يجعله مشدود الأعصاب، دون أن يدرى ما أصابه ولكنه في تلك اللحظة بالذات تمنى لو يغلق الصيدلية، ويبقيان بداخلها، والسحر يعمل عمله، دون أن يقولا شيئا …..
كانت فاتنة …. مثيرة …. تشرق رغبة وحنين، دون أن تدرى ! وكأنها تقول لمن يراها ,خزني إليك, فأنوثتها طاغية تعلن عن نفسها ، وتجعلها مشتهاة كلوح ثلج في صحراء عند الظهيرة ، لكل ظامئ…
آه منك يا مي …. آه منك وأنت تدخلين علي هذه الدخلة القاتلة ، وأنت تضيئين كالثريا في ليل مُظلم….. وتشعلين حرائقي فأكاد أبكي، وأنا أتمنى لو أسجد تحت رجليك متمنياً رضاك …. آه يا مي…..
قالت بابتسامتها المضيئة :
– أتيت من هنا ، فقلت ألقي عليك السلام…..
-ده سلام جمهوري لو تدري يا مي….
ضحكت وهي تقول :
– م تبالغ يا عمار الصغير ، كيفك ؟ اشتقت لك …..
وكاد أن يهتف بها قائلا ” وأنا تشتاقك حواسي جميعها الآن ! ”
ولكنه صمت ، وحرائقه تذداد اشتعالاً !
ورفضت أن تجلس، فجلس هو ! لأنه لا يستطيع أن يقاصد وجهها، دون أن يقبلها، في هذه اللحظة بالذات حيث يهتف جهازه الحسي باسمها …..
وعندما أحست به حاولت الإنسحاب بسرعة قائلة
مع السلامة ، سنلتقي قريبا !
أمسكها من يدها وهو يهتف مي ، ودون أي زيادة في الكلام ، أو توضيح، أو اعتذار، ساقها لشقته التي تعلمها جيدا. ومنذ أن أغلق الباب ظل يقبل فيها …. يقبل في كل جزء منها، ويجردها من ملابسها حتى وصلا غرفة النوم …. وهناك، هناك شعر عمار بمتعتها كعروس في ليلتها الأولى .
وبقيت مي معه طوال اليوم تمتع نفسها ، وهي لا تدري ماذا أصابها ، أو لماذا تقوم بذلك ؟ !
وفي الليل عندما عادت لبيتها ، ظلت تفكر في حالها ، وعمي الطاهر نائم ، يهديها شخيره المزعج ! لحظتها فقط قررت أن تسافر مصر للتجارة، علها تنسى حالها قليلا …..
ورفضت أمها الفكرة ! فاذا كان لابد من السفر ، عليها أن تسوق معها
“عمي الطاهر ” كان هذا رائعاً ! وكادت مي أن تصرخ ” عمي الطاهر ده أنا هاربه منو يا أمي ! ” ولكنها صمتت !
وقد قررت في نفسها، أما أمها فما كان منها إلا أن أقنعت ” عمي الطاهر ” ألا يمولها أبدا ! أما هي فلم تهتم للأمر كثيرا، لأنها سبق وأن قامت بإقناع غادة بتمويلها .
واستخرجت جوازها، واستلمت الكرت الأصفر، وقطعت تذكرتها لحلفا فستذهب برا الرحلة شاقة، والصحراء شمسها لافحة ، والجلسة طويلة ، ولكن بعد يومان كانا في حلفا …..
وعند نزولها رأها سيد المصري وهو مربوع القامة ، متوسط الحجم ، أبيض البشرة ، له ابتسامة ساحرة ، ووجه عادي ….. نادى جسدها عليه ، ولا بد أنها أحد أيامها، دون أن تدرى ! أتاها جاريا وهو يهتف بها ، قبل أن تستوعب المكان
خدامك سيد المصري …..
عندما ابتسمت له ، أدرك أن أيام سعده قادمة، ولكن عندما حاول أن يقترب إليها قائلا :
-رحلتك سياحة ولا علاج وتجارة يا جميل ؟ ……
صدته سريعا ، وابتعدت عنه دون أن تجيب، لأنها في هذه اللحظة أحست بأن هذا الرجل يعني لها شيئا، فابتسامته تذكرها بابتسامة عبده، وارتاحت له بشدة، ولكن بخبرتها الأنثوية رفضت أن تفصح له عن ذلك، أو تعطيه ريق حلو، كما يقول أهله المصريين !
وكان عليها أن تقطع تذكرة لمصر أما بالبص أو بالباخرة، أما هو فقد ظل يفكر فيها، وهو مشدود الأعصاب، وقلبه يدق، إن ما يحدث له مع هذه المرأة لم يحدث له مع إمرأة قبلها، وهو ” فحل النساء ” كما يطلق عليه أصحابه ! !
لذا فقد قرر أن تبقى معه أطول فترة ممكنه، فأحضر قرطاس وقال له
-عايزك تقرطس لي جواز السودانية مي ،مي عبد الجبار !
فرد سريعا
-سمارة يا ولا عجبتك بنت النيل و لا أيه؟
-مش عاوز كلام كتير ، قرطس الجواز وليك خمس بواكي، ومش عايز أشوفك …..
-والجواز أجيبهولك أذاي ؟!
– تأخده معاك مصر يا غبي ، ولما نتلاقى في طنطا تديهولي ، اتفقنا.
فهتف قرطاس وهو يضرب بيده الاثنين
-دي بت النيل دخلت قلبك يا ولا !
وقد كان صادقا، فمي مي دخلت قلبه ! وهو يفكر فيها دائما، ويتابعها من بعيد ، ستبقى معه، وإذا استدعى الأمر، سيعود معها للخرطوم
وفي ظرف ربع ساعة، وضع قرطاس خطته وقرطس الجواز ! وأحضره له ليراه فيستلم الخمس بواكي، ويرجع مصر، والجواز في حوزته!
وأعطاه سيد المصري ثلاثة بواكي فقط، وقال
– الاثنين في مصر لما تسلمني الجواز يا ابن الكلب ده انت تبيعني بعد دقيقتين يلا …..
وضحك قرطاس، لأن لا أحد يعرفه مثل سيد المصري أبدا!
وبحثت مي عن جوازها فلم تجده ! فجأة بدون أي مقدمات، وكادت أن تجن وهي تفرغ كل محتويات حقيبتها اليدوية ، وزميلاتها في البص يبحثن معها حتى حقيبة الملابس ثم تقتشها دون جدوى!
فصارت مي تبكي افترشت الأرض، وجعلت تبكي بحسرة وهي تتذكر
حالها، لقد قررت السفر لتنسى أحزانها، فإذا بها تتابعها الأحزان! وظهر سيد الصري عندها
-في أية يا سمارة ؟ !
وتبرع أحد الموجودين ليخبره
– لقد فقدت جوازها، بحثنا عنه في كل مكان فلم نجده!
وكجنتل مان ظل يبحث هنا وهناك دون جدوى، بل أحضر مجموعة صبيان وأمر هم بالبحث عنه ، وإعداً اياهم بعطاء مجزي ! وظل بجانبها يقدم لها احتياجاتها دون مقابل …..
وعندما جن الليل كانت مجموعتها قد سافرت مصر ، وبقيت هي تضع يدها على خدها حيرى وهي تحمد الله أن قروشها لم تصب بسوء، حيث أخفتها في ملابسها الداخلية. لحظتها جلس بجانبها سيد المصري، وهو يبعد يدها عن خدها قائلا :
-سمارة محتار ليه ! ما فيش حيرى يا ستي طول ما أنا قاعد، دنا أرتبلك أمورك ذي الفل…..
ـ ترتب أيه ولا أيه ؟ ! موضوع الجواز، ولا موضوع التجارة الكنت بحلم بيها، ولا موضوع إقامتي في حلفا …..
-خدامك يا سمارة …..
وذهب ليأتي بعد قليل بكوبين شاي و سندوتش أعطاها إياه. تذكرت لحظتها أنها لم تأكل، منذ إختفاء الجواز …..
وظل يتحدث وهي تأكل
– بكرة نواصل بحث على الجواز وبعدها لازم تعملي بلاغ ، لأنك ستحتاجيه عند استخراجه من جديد …..
والاقامة خالتي نعيمة من هنا مشوار بس نمشيه عشان تبيتي في أمان يا …..ستي
وسكت لحظة ثم سألها
-هو انت ناوية تتاجري في ايه ؟
-في الأجهزة الكهربائية.
وسأل حينها
– أوعى يكون شفط الفلوس، أبن الكلب…..
ردت وهي تشير لصدرها
-لا القروش في أمان…..
ـ تمام أنا ارتحت ليك يا سمارة، ده أنت شريتيني، وأنا ما أخونش الناس اللي بحبهم ….
وضحكا معا، والسحر يحيطهما بسياجه العجيبة !
وبقيت يومان في حلفا تبحث دون جدوى ! وفي خامس يوم قامت بفتح بلاغ وهي تفكر في وضوع تجارتها المجهجهه وعدم رضا والدتها ! وكان بعض السودانيين يحضر البضاعة من مصر ليبيعها في حلفا ويعد من جديد، أو يواصل للخرطوم . ولحسن حظها كانت هذه شغلة سيد المصري، فهو يتاجر من مصر لحلفا ! وقد رتب لها أمورها كما وعدها سابقا، ولكن أموره هو الخاصة، بقيت غير مرتبة فمي لم تعطه شيء بعد، وفي هذه الظروف لن تعطيه أبدا …. وسألها وبدون أي مقدمات
– تتجوزيني يا سمارة ؟
وردت عليه بأسلوبه المصري
-دنا متزوجة يا بيه …. !
ـ أنا رايدك يا سمارة، ومتمنيك، ومشتهيك …. دنتي ذي عنب مصر، مغريه يا ستي وبشكل عجيب ….. قوليلي أعمل أيه دنا تعبان ؟ ! وعمري ما فيش ست تعبتني زيك !
وقد كان صادقاً أحست مي بصدقه، وأحست برغبتها فيه ولكن كلا ليس بهذه الطريقة، وما بال قلبها يدق أمامه انت حبيتيه يا بت ؟ ! وعبده، عبده حبيبك …..
وتلعثمت وارتبكت ، وابتسمت بحياء وهي تقول
– سمارة أنا متزوجة ، خلي الزمن بيننا، فقد نتقابل في ظروف أحسن……
وأخدت عنوانه في مصر، وأخد عنوانها في السودان، وركبت البص لتغادر ، لكنها لم تكن تدرى أن سيد المصري، ولأول مرة في عمره الطويل، يمسح دمعة سألت حارة من عينه اليسرى لقد أدرك حينها، إنها حملت قلبه معها وغادرت!
ولم يستطع العمل، كما لم يستطع الاقامة في حلفا ! لقد فكر أن يعالج غلطته، سافر لطنطا ليدفع باكوبين لقرطاس ليستلم جوازها، وهو يقبل صورتها كل حين ويعود لحلفا ليسافر للخرطوم.
وعادت مي عادت للخرطوم وحكت لغادة التي التقتها كأول شخص، كل تفاصيل رحلتها وأهم شيء سمارة سيد المصري، وهي لا تدري ماذا حدث لها؟!
قلبها يدق لذكراه ، وهناك حنين، حنين خفي لرجولته الوافرة لقد أدركت مي أنه يشتهيها، فهي تدرك سر الرجال، عندما يتبهدلون أمامها، ولكن ما لم تكن تدركه هي أنها تبهدلت كثيرا بسببه، وستتبهدل أكثر ! !
فكم ظلت تتذكره كل ليلة، بل حلمت به كم مرة، وهو معها في السرير ! في كل مرة كان ” عمي الطاهر ” يفشل في الوصول إليها، كان سيد المصري يصل، وبجدارة في أحلامها.
ويوما ذهبت لغادة في شقتها، وهي تقول
– غادة سيد المصري …..
– بسم الله، مالو كمان…
– يزورني في أحلامي كل ليلة …..
وضحكت غادة قائلة
– أهم حاجة، قولي لي بعمل شنو ؟!
– يقبلني بمتعة مدهشة وهو يهمس في أذني
” مي أنا بحبك يا مي… بحبك ومشتهيك،
وطوال عمري لم اشته امرأة مثلك !”
ويحملني ليضعني في سرير كبير ، ليجردني من ملابسي، وهو يقبل كل
موضع من جسدي، حتى أشتعل كمدفأة في ليل شتاء طويل!
– آها وبحمل شنو ؟ !
وهي تشير الموضع الكنز فيما بين أرجلها.
– آه يا غادة مدفع …. مدفع الخديوي باشا !
فيضحكان معا، وتقول غادة
ـ أيامك يا ستي ! فما لا يستطيع عمي الطاهر القيام به، يقوم به سيد المصري، سليل الفراعنة …..
ويضحكان، وهما يتذكران في قصص الرجال التي لا تنتهي…
وفجأة مرض عمي الطاهر، حيث صار لا يقدر أحيانا على التبول جيدا،
وأصيب بحمى وسخانة في البول، فذهبتا معه لدكتور أحمد أخصائي المسالك البولية الذي شخص الحالة بأنها التهاب حاد في البروستاتا، ودون أن تفهم مي شيئا وجدت نفسها تدور في دوامة مرض ” عمي الطاهر “……
حيث يشكي مرة من ألم الكلى، ومرة من لفة الرأس، وأحيانا وجع المفاصل والركبتين، وارتفاع الضغط، وأخيرا عندما لم يستطع التبول أبدا ركبت له قسطرة، ورقد في مستشفى إمبريال، قالت لها أمها مرة وهي تزورها في المستشفى بغيط
– ده الدرتي يا بتي شفتي آخر العجائز شنو ؟ مرض بس…..
ردت لتغيظها أيضاً
– ما تخافي يا أمي ، المرة الجايا سأتزوج شاب يخزي العين، عبده يا أمي ، سأتزوج عبده…
وتمنت لو يلاقي كلامها ” ناس يا مين ” ليستجيب لها القدر، وتتزوج عبده، عبده الرجل الذي تمنته دوماً.
ولكن أني لها ذلك!
وأحست بعبده، أحست بأنه ليس على ما يرام، فقلبها يقول ذلك واتصلت بسناء لتسألها
-عبده كيف يا سناء، براسلك؟
– تمام، بتصل بي هو كل مرة و أخرى، حيث الشبكة في منطقته ضعيفة شوية.
-عليك الله حاولي اتصلي بي، أنا قلقانه علي بشدة …..
– لييي في حاجة؟!
– ما عارفة لكن حاسة انو ما تمام……
وحاولت سناء الاتصال بعبده دون جدوى، وقد كان عبده حينها ، يرقد طريح الفراش، بعد أن صار يدخن بشراهة، ويأكل قليلاً، ويعمل كثيرا، حتى ينساها …. ينسى مي، دون أن يقدر . فأصيب بالتهابات حادة، التهاب في الكلى …. والتهاب في الدم…. والتهاب في الرئة …. والحمى تدثره وهو يهمس بهدوء مي…. مي حبيبتي….
دون أن يجدها بجانبه!
ومي تدعو الله له دائما، ليكون بخير.
وفي هذه الدوامة ، دوامة مرض عمي الطاهر وقلقها على عبده ، وطلاقها ، فجأة وجدت سيد المصري يوما أمامها ! وبدون أي مقدمات!
– سيد المصري، سمارة أية الي جابك يا ولا ؟!
. شوقي لبت النيل أه يا سمارة دنا مش حنساك أبدا!
وتعانقا بشوق حقيقي، وحنين خفي، لأشياء ظل يحلما بها كل ليلة دون أن يبوح بها أحدهما للآخر.
وأراد أن يعترف لها بخطيئته التي ارتكبها في حقها ! وجوازها يرقد في جيبه بسلام ، ولكنها أرادت أن تعرفه بغادة صديقتها العزيزة ، فساقته إليها، سعدت غادة بلقائه فهو خفيف الظل، ويعشق مي دون أن يقول شيء، وعشقه باين من نظراته اليها، لهفته وشوقه الخفي…..
فعزمتهما عشاء في بيتها، وأخلت لهما الجو، وهي تنسحب لتعود لعملها …..
وقد قرر سيد المصري أن يصارحها بموضوع الجواز، وقف أمامها، وهو يقول :
– مي أنا …. أنا بحبك، ولكن هناك سر علي أن أبوح لك به, أولا، لقد …. لقد …..
وتساءلت مي بحيرة
– في شنو يا سيد المصري ؟
ـ لقد أخطأت في حقك يوما وكذبت عليك ! لكن …. لكنه الحب يا مي، وأنت لا تدرى ما يمكن أن يفعله الحب بنا ؟ !
وكادت أن تقول له ” أنا أدرى الناس بالحب، وبما يفعله بنا ” ! ولكنها فضلت السكوت حتى يستطيع الكلام وجلس سيد المصري، وقام مجددا ثم أعطاها ظهره وقال وهو يخرج جوازها من جيبه
– لقد كنت أنا السبب في اختفاء جوازك بحلفا !
وعندما رأت مي جوازها لم تصدق ذلك ! لقد قاست لفقده، وبكت بألم، ولم تسافر مصر، بسبب اختفاء جوازها ! ويقول لها هذا المصري بكل هدوء ” إنه هو السبب وراء كل ما أصابها هناك ” واجتمعت كل شياطينها في تلك اللحظة، ونست أنه وقف معها يوماً، أسكنها، وأكرمها، وأحضر لها أجهزه كهربائية من مصر، خصيصاً لها ! نسيت كل ذلك، وهي ترفع يدها ، وبكل ما أوتيت من قوة ، تنزلها علي خده الأيسر بألم !
ولأول مرة في حياتها، تقوم بذلك تجاه رجل ! !
أغمض سيد المصري عيناه ، لأنه يعلم إنها مي، المرأة الوحيدة التي يحق لها أن تفعل ما تشاء ! مي التي بهدلته أياما وشهوراً بذكراها …. مي التي ظل يحلم بها دائما، وعندما يستيقظ يجد سريره قد عانقه البلل، كما يُعانقها هو كل ليلة في أحلامه…..
وفتح عيناه، وهو يقول لها، والرغبة ما زالت باقية بداخله
– اقتليني إذا شئتي ، ولكن لا تحرميني منك أبدا، حبيبتي …..
وأمسك رأسها بيديه الاثنان وظل ينظر إليها وهو يهمس
-أنا بحبك يا مي، بحبك و مشتهيك، آه يا مي…
لحظتها لم تستطع مي أن تقول شيئا، لأنه ظل يقبل فيها بشوق وحنين، وكل حته من جسده تنده عليها وبشده …. وفي لحظة كانا قد داسا على الجواز تحتهما، دون أن يشعرا به!
وظل يقبل فيها بمتعة مدهشة وهو يهمس في أذنها :
“مي أنا بحبك يا مي بحبك ومشتهيك، وطوال عمري لم أشته امرأة مثلك ! ” وحملها ليضعها في السرير الكبير ليجردها من ملابسها ، وهو يقبل كل موضع من جسدها، ويرضع من ثديها ، حتى بدأت تشتغل كمدفأة في ليل شتاء طويل ومن ثم أخرج مدفعه الرشاش …..
وكما في الحلم صارت تهمس ببطء “آه سيد المصري، خذني إليك حبيبي ” فقطعها أجزاء بمدفع الخديوي باشا، ثم أعاد جمعها ، ليقطعها من جديد…..
وبعد ثلاثة ساعات والمدفع يفرغ ليُعبأ من جديد …. ويبقى معباً لحوالي ساعة كاملة ! سمعا صوت جرس الباب يضرب لابد من إنها غادة، حاولت أن تنبههما لقدومها .
يومها عاهد سيد المصري نفسه، أن يعود لها كل حين، وكم عاد….
ظل ينتقل بين مصر وحلفا، وأم درمان، كل ثلاثة أشهر. ما أن تراه مي إلا وتشعر بالحنين لتلك الليلة التي لا تنسى فيعيدانها من جديد، لتأتي أروع من الأولى… ففي اللحظة التي يفكر فيها سيد المصري بمي، تكون مي أيضا تفكر فيه وبنفس الصورة التي يرأها !
وزادت مي أنوثة ، فهي تكبر ويكبر سحرها معها فصار يشتهيها كل من يراها، وتشتعل هي إثارة ورغبة في الرجال حتى كرهت نفسها …. وكرهت أنوثتها، ويوما هتفت يصدق وصوت خفي ” ليتني أكون بدونها لأعيش حياتي، كأي أنثى ! .”
وقصدها بدون أنوثة طاغية بدون سحر خفي يجذب اليها الرجال، وبدون رغبة مجنونة، منها لكل رجل، تحركه أنوثتها المشتهاة !
فكم بقيت ليالي طوال وهي تتقلب على جمر الرغبة، ووهجير الشهوة القاتلة للرجال …..
وتحلم برجل معها في السرير ! رجل يصرعها كوحش قاتل، فتظل تنظر للرجال، تنظر لما بين أرجلهم، تنظر لمكان الكنز في البنطال وهي تتخيل ما
بالداخل وحجم كل منها، وفي أحيانا كثيرة، كانت ترأه ! !
وصار الرجال يشتهوها كفاكهة مُحرمة ! كل من التقاها وحركته أنوثتها، تمناها ان تكون في سريره يوماً، كان بعضهم يلمح لها بذلك، اما البعض الآخر فكان يقدم عرضه مباشرة، وبدون حياء …. وعلمت من السنين أن فيها شيء مميز ، شيء يجعلها كفاكهة الجنة المشتهاة !
شيء يشد أعصاب الرجال، فيجعلها تقف كمسمار النجار، ومطرقة الرغبة تضرب عليها بقوة حديديه ، و هي تهتف دون تفكير
“مي.. …..مي …. مي”
كان الرجال يحومون حولها، كل الرجال حتى المحترمين منهم ! !
” تخيل أن تحمل شيئاً مميزا، لتكتشف أنه لعنةً مع السنين ! “.