الخوارزيميات تصنع الضحالة وجيلا من التافهين في أفكارهم …
- محمد الحسن محمد نور
سنار : شبكة الوريفة الإخبارية
المُحتوى الذي يتطلب تفكيرًا عميقًا أو وقتًا طويلاً للنقاش لا يجد له مكاناً في قائمة المكافآت الرقمية؛ وبالتالي يتراجع دور العلماء والمفكرين لصالح مقدمي مُحتوى سريع الاستهلاك. لقد أصبح النجاح هنا مرهونًا بمدى قدرة الشخص على تسطيح المعلومة إلى حد الإضحاك أو الاستفزاز، بل ويتجاوز الأمر ذلك ليطال المُحتوى الذي يعتمد على الإثارة الجسدية المباشرة والمضامين المخلة بالآداب (المواقع الإباحية) التي لا يقل ضررها الاجتماعي والنفسي عن ضرر الجرائم ضد الإنسانية. وهذا النوع من المُحتوى يحقق أعلى درجات التفاعل والوقت المستهلك، مغذيًا نموذج الإدمان الرقمي على حساب سلامة القيم والأخلاق وحتى الصحة الجسدية والنفسية. والنتيجة هي تدهور جماعي في مستوى النقاش العام، وضعف في مهاراتنا على التركيز الطويل، وتشكيل جيل يتخذ من السطحية قيمة عليا. ولكن النجاة ممكنة. فأنت الضحية، وأنت أيضًا صاحب القرار الأخير. الترياق يبدأ داخليًا؛ في اللحظة التي تدرك فيها أنك لست مُجبرًا على التفاعل. ابدأ بخطوات عملية: قلِّل من وقتك على المنصات باستخدام أدوات ضبط الوقت، وعطِّل الإشعارات غير الضرورية، واستخدم أدوات حظر الإعلانات لتفكيك جزء من نموذجها التجاري. ولكى تكسر الفقاعة، أبحث عن حسابات تقدم آراءً مُخالفةً لرأيك عمداً، واتبع مصادر إخبارية موثوقة بدلاً من الاعتماد على خلاصتك. الترياق الحقيقي هو “التفكير النقدي” الذي يجب أن يتحوّل إلى عادة يومية: أسأل نفسك دومًا، “ما هو مصدر هذه المعلومة؟” و”ماذا لو كانت كاذبة؟”. تمهّل قليلًا في الحكم على المعلومات المعروضة أمامك، لا تسمح لمشاعرك بأن تكون بوابة العبور لكل ما تراه؛ توقف عن إعادة نشر أي شيء يُثير غضبك أو سخطك قبل أن تتحقق منه ثلاث مرات على الأقل عبر منصات التدقيق المعتمدة. على المستوى الأسري، يجب أن نتحوّل من حظر المنصات إلى تعليم الأبناء “التربية الإعلامية”؛ كيف يحللون المُحتوى، وكيف يفرّقون بين الإعلان والرأي والحقيقة، وذلك من خلال مناقشة ما يشاهدونه وإرشادهم إلى قنوات تعليمية موثوقة. أما اجتماعيًا، فالترياق هو دعم ومطالبة المؤسسات التعليمية والإعلامية بتعزيز برامج تدقيق الحقائق وإدخال “مادة التفكير النقدي والثقافة الإعلامية” كأولوية قصوى في مناهج التعليم، لتنشئة جيل قادر على تمييز الحقيقة من الوهم. استرداد الوعي ليس قرارًا سهلاً، ولكنه ضرورة تجاوزها هلاك. فليس أمامنا إلا أن نتحوّل من مُستهلكين سلبيين إلى مفكرين نقديين، لنتمكن من إنقاذ عقولنا ومجتمعنا من غرق المعرفة في بحر الوهم الرقمي.
- محمد الحسن محمد نور ١١ أكتوبر ٢٠٢٥