| إبراهيم شقلاوي
شبكة الوريفة الإخبارية
لا تبدو فكرة التعويضات، في الحالة السودانية، مجرد مطلب مالي، بل بات سؤال سياسيا يتصل بكفاءة الدولة، وقدرتها على إعادة بناء الثقة مع مجتمع أنهكته الحرب وتآكلت فيه فكرة العدالة. فبعد ثلاث سنوات من المعاناة والمسغبة، أصبح الحديث عن جبر الضرر أحد مفاتيح الاستقرار.
تشير تقديرات رسمية إلى أن الخسائر الناتجة عن عمليات النهب والتخريب تقارب 150 مليار دولار، دون احتساب الدمار الواسع الذي طال البنية التحتية، من جامعات ومستشفيات ومصانع ومرافق خدمية. فقدت الأسرة السودانية كل ما تملك، مدن تحولت إلى مأساة، ومجتمع أُعيد دفعه قسرًا إلى حافة العوز. فالتعويض أصبح واجبا، يجب أن تتصدره الحكومة فهو التعريف الآخر للكرامة التي سميت بها الحرب.
ورغم أن السلطات العدلية شرعت في توثيق هذه الانتهاكات، عبر لجان رسمية ومبادرات جادة، فإن الفجوة بين التوثيق والتنفيذ ما تزال واسعة. آلاف البلاغات قُيدت، وممتلكات أُحصيت، وحقوق جرى تثبيتها على الورق، لكن المواطن الذي فقد بيته أو مصدر رزقه لا يزال ينتظر إشارة عملية تُثبت أن العدالة ليست وعدًا مؤجلًا إلى ما لا نهاية. هذه الفجوة تعكس تعقيد الإجراءات، كما تكشف عن مأزق سياسي متعلق بغياب الرؤية لكيفية إدارة ملف التعويضات ضمن مشروع اعادة الإعمار.
في هذا السياق، برزت مبادرات مدنية وحقوقية، مثل حراك “عائدون”، التي سعت إلى كسر هذا الجمود عبر تدويل القضية، مستندة إلى تجارب دولية مشابهة في جبر الضرر بعد النزاعات. وقد نجحت هذه الجهود في إيصال آلاف الشكاوى إلى بعثات أممية لتقصي الحقائق، في محاولة لنقل الملف من حدود الإرادة الوطنية إلى فضاء قانوني دولي . هذا التحول يعكس إهمية أن ينظر للعدالة، في حرب بهذا الحجم، من منظور يتجاوز النطاق المحلي إلى الفضاء الدولي، بمايعزز فرص إنفاذها.
غير أن هذا المسار لا يخلو من تعقيدات. فالتعويل على المجتمع الدولي، يظل رهينًا بتوازنات سياسية وقانونية معقدة، حيث لا تُمنح العدالة بقدر ما تُنتزع عبر تراكم الأدلة، وحسن إدارة المعركة القانونية والدبلوماسية. وفي هذا الإطار، يكتسب خطاب السلطة القانونية بعدًا إضافيًا، خاصة مع اتهام النائب العام السابق، الفاتح محمد طيفور، لدولة الإمارات بدعم مليشيا الدعم السريع، ومطالبته لها بتحمل مسؤولية التعويض. مثل هذه الاتهامات، إذا ما أُحسن بناؤها قانونيًا، قد تفتح الباب أمام مسارات دولية منتجة لمساءلة الأطراف المتورطة. مع أهمية الحذر ، حتى لا تتحول إلى مجرد أدوات في صراع سياسي لا ينتج عدالة فعلية.
وفي موازاة ذلك، يظل غياب ملف التعويضات عن صدارة المفاوضات السياسية، منذ اندلاع الحرب، مؤشرًا لافتًا على خلل في ترتيب الأولويات. إذ انشغلت أطراف محلية وإقليمية بوقف إطلاق النار ومعالجة الأوضاع الإنسانية العاجلة، بينما تُركت قضية جبر الضرر في هامش المشهد بل لم يشار لها، رغم كونها المدخل الطبيعي لأي استقرار مستدام. فالسلام الذي لا يُنصف ضحاياه، يظل هشًا، قابلًا للانهيار عند أول اختبار.
غير أن أخطر ما يهدد هذا الملف ليس فقط ضعف الإمكانات، بل تراجع الثقة. فالمواطن الذي سجّل بلاغه، وانتظر شهورًا دون رد، أو تابع الوعود دون أثر ملموس، يبدأ في فقدان إيمانه بأن العدالة ممكنة . وهنا لا تكون الخسارة مادية فقط، بل معنوية أيضًا وسياسية ، إذ يتآكل الرابط بين الفرد والدولة، ويتحول الإحساس بالظلم إلى شعور دائم بالإقصاء.
لذلك تقتضي المرحلة الانتقال من الشعارات إلى الإجراءات للتعويض بآجال زمنية محددة، مع إشراك المتضررين في صياغة الحلول، فالشعوب المنهكة لا تنتظر المعجزات بل إشارات الطمأنينة، وفي ملف العودة الطوعية، لا ينبغي اختزالها في العودة للجغرافيا بل في إعادة تأسيس للحياة بمعناها الكامل: أمن مستقر وخدمات فاعلة واقتصاد قادر على الاستيعاب، بما يستدعي حزمة تسهيلات جادة تشمل إعفاءات للأثاث ومواد البناء وتوصيلات الكهرباء، إضافة إلى إعفاء إدخال سيارة لكل أسرة، فالنازح لا يعود بحثًا عن مأوى فقط، بل عن حياة يمكن الوثوق بها.
إن التعويض، بحسب #وجه_الحقيقة ، ليس مجرد التزام مالي، بل هو ركيزة من ركائز العدالة الانتقالية، التي تقوم على الاعتراف بالضرر، ومساءلة المسؤولين، وإعادة الاعتبار للضحايا. ومن دون هذه العناصر، تتحول الدولة إلى كيان عاجز عن حماية مواطنيها، أو حتى الاعتراف بمعاناتهم. لذلك، فإن الحديث عن إنشاء صندوق أممي للتعويضات، بدعم دولي وإقليمي، لا يبدو خيارًا ترفيًا، بل ضرورة عملية لتجاوز محدودية الموارد الوطنية، وتسريع مسار الإنصاف واقامة العدالة.
دمتم بخير وعافية.
الثلاثاء 21 أبريل2026م Shglawi55@gmail.com