آخر الأخبار
اخبارك في موعدها

سينما الدماغ _ ماذا لو كان الضوء مجرد وهم بصري ؟

سينما الدماغ
ماذا لو كان الضوء مجرد وهم بصري ؟
شبكه الوريفة الإخبارية
في عمق الفضاء المظلم لا يوجد ، لا توجد ألوان، ولا حتى ومضة واحدة الكون عبارة عن بحر صامت من الموجات الكهرومغناطيسية الباردة التي تسبح في الفراغ، ولكن بمجرد أن تصطدم هذه الموجات بحدقة عينك ينفجر الكون فجأة بالألوان والبريق.
هذه ليست مقدمة لفيلم خيال علمي، بل هي حقيقة فيزيائية وبيولوجبة مثيرة، نحن لا نرى الضوء لأنه موجود في الخارج، بل لأن اجسادنا مبرمجة لترجمة هذه الأمواج العابرة إلى “عرض سينمائي” نطلق عليه الرؤية.
خلف الستار تعمل العين البشرية كمستقبل لاسلكي شديد التعقيد، الموجات القادمة من النجوم والشمس ليست مضيئه بذاتها بل هي حاملة لبيانات فيزيائية مجردة، عندما تسقط هذه الترددات على شبكية العين تبدأ الخلايا المخروطية والعصوية في العمل كمعالجات دقيقة.
العين لا تنقل صورا، بل تنقل نبضات كهربائية سريعة عبر العصب البصري إلى القشرة البصرية في الدماغ، هناك في الغرفة المظلمة لجمجمتك يقوم الدماغ بترجمة الترددات العالية إلى لون أزرق والترددات المنخفضة إلى لون أحمر، اللون الأخضر لورق الشجر، وزرقة السماء وحتى لمعان الذهب كلها تأثيرات خاصة يصنعها تركيبك البصري ليساعدك على إدراك بيئتك.
نحن لسنا مجرد عابري سبيل فيه، بل نحن من يمنحه المعنى والدفء، الإنسان هو الكائن الذي يفك شفرة الصمت الكوني ليحيلها إلى جمال. تأمل كيف ينطبق هذا على مشاعرنا فالحياة في كثير من الأحيان قد تبدو باردة ومجردة كأمواج الفصاء، لكن تركيبنا الداخلي من أمل وشغف وحب هو الذي يعيد تلوين التفاصيل الرمادية، نحن لا نجد الجمال جاهزا في الطرقات بل نحن من نسقطه على الأشياء من حولنا بفضل وعينا.
تخيل معي لو أن كائنا يمتلك تركيبنا بصريا مختلفا يمكنه من رؤية الموجات الطويلة فقط، لشرق الكون أمامه بألوان وتفاصيل لا يمكن للضوء! البشري أن يدركها. وبالمثل فإن كل إنسان منا يحمل تركيبا نفسيا وسلوكيا فريدا يترجم به أحداث الحياة، فالألم الذي يراه أحدنا نهاية مظلمة، قد يترجمه آخر بنضجه كأمل جديد.
إن رؤيتنا للعالم لا تتوقف عند حدود بيولوجيا العين، بل تمتد لتتكامل مع ذكرياتنا وعواطفنا. فالأشعة الارتدادية التي تميز ملامح وجه مألوف لا نراها مجرد خطوط وأبعاد بل نترجمها فورا إلى مشاعر طمأنينة وأمان، نحن نسكب أرواحنا على هذه الموجات الصامتة لتتحول إلى تجارب شعورية حية، الوجود بدون وعينا ليس سوى معادلة فيزيائية باردة ونحن من يبث فيها الحياة والروح.
الكون في الأصل مظلم وصامت، ونحن بتركيبنا البصري وبأعماقنا الإنسانية المدهشة من يعطيه النور، الضوء ليس صفة متأصلة في الطبيعة إنما هو ترجمة إنسانية واعية لرسائل الفضاء الغامضة، إنها دعوة لنستشعر تلك القوة الكامنة فينا، فإذا كنا قادرين على تحويل عتمة الفضاء الخارجي إلى لوحات من النور والجمال فنحن حتما قادرون على إضاءة عتمتنا الداخلية وصناعة الأمل من وسط أصعب الظروف.
فسبحان من جعل من ظلمات الكون فيضا من النور في عيوننا ومن هندس هذا الإدراك البديع ليكون شاهدا على عظمته، فكل ومضة نراها هي تسبيحة صامتة تعلن أن الله هو نور السماوات والأرض.

منتصر حسن

شاركـ علـى
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.