خزان سنار.. مئة عام على ضفاف الماء
من مشروعٍ للري إلى شاهدٍ على تحولات السودان.. حكاية صرحٍ عاصر قرناً من السياسة والزراعة والناس
خزان سنار.. مئة عام على ضفاف الماء
من مشروعٍ للري إلى شاهدٍ على تحولات السودان.. حكاية صرحٍ عاصر قرناً من السياسة والزراعة والناس
سنار – شبكة الوريفة الإخبارية فذلكة تاريخية
ماذا يمكن أن يحكيه صرحٌ ظل واقفاً على النيل الأزرق مئة عام؟
ربما يحكي عن الماء حين كان مجرد نهر، وعن اللحظة التي تحوّل فيها إلى منظومة للري، وعن الأرض التي تبدلت علاقتها بالمطر، وعن المزارع الذي أصبح ينتظر وصول المياه إلى قنواته كما ينتظر موسم الحصاد.
وربما يحكي أكثر من ذلك بكثير.
إنه خزان سنار؛ أحد أهم الصروح الهندسية في تاريخ السودان الحديث، والذي ارتبط اسمه بمشروع الجزيرة، وبالزراعة المروية، وبالاقتصاد السوداني، وبحياة أجيال متعاقبة من المزارعين والعمال والمهندسين وسكان المنطقة.
وبمرور مئة عام على اكتماله في 1925، لا تبدو قصة الخزان مجرد تاريخ لمنشأة مائية، وإنما تاريخ لعلاقة كاملة بين الماء والأرض والإنسان والدولة.
البداية.. حين تغيرت علاقة السودان بالماء
اكتمل خزان سنار عام 1925 على النيل الأزرق، ليكون أساساً لتنظيم المياه وتحويلها إلى أراضي مشروع الجزيرة عبر نظام الري بالجاذبية. وكان ذلك نقطة تحول كبيرة في تاريخ الزراعة السودانية؛ إذ انتقلت مساحات واسعة من الاعتماد على الأمطار والفيضانات الموسمية إلى منظومة أكثر انتظاماً في الري.
لكن خلف هذا الإنجاز الهندسي كانت هناك رؤية اقتصادية مرتبطة بالحقبة الاستعمارية، وكان القطن في قلب مشروع الجزيرة آنذاك.
ومع مرور الزمن، تغيرت الدولة، وتغيرت الأولويات، وتغيرت علاقة المشروع بالاقتصاد الوطني، لكن خزان سنار بقي في قلب المعادلة.
وهنا تبدأ المفارقة التاريخية:
منشأة أنشئت في عهد الاستعمار أصبحت لاحقاً جزءاً أصيلاً من ذاكرة السودان الزراعية، ومصدراً لرزق أجيال من السودانيين.
من خزان إلى منظومة حياة
لم يكن أثر الخزان محصوراً في جسمه الخرساني أو بواباته.
فالماء الذي ينظم عند سنار يبدأ بعد ذلك رحلة طويلة داخل شبكة الري، حتى يصل إلى الحقول.
ومن هنا أصبح للخزان حضور غير مباشر في حياة قرى ومزارع ومجتمعات واسعة.
الماء يعني الأرض.
والأرض تعني المحصول.
والمحصول يعني دخل الأسرة، وحركة الأسواق، والعمالة، والنقل، والتجارة، والغذاء.
لهذا فإن الحديث عن خزان سنار هو، في جانب كبير منه، حديث عن مشروع الجزيرة والمناقل وعن تاريخ الزراعة المروية في السودان.
وقد ارتبط مشروع الجزيرة بصورة وثيقة بالتنمية الاقتصادية السودانية، والأمن الغذائي، ومعيشة ملايين السكان في نطاق المشروع.
الخزان الذي تغير مع الزمن
مئة عام ليست زمناً قصيراً في عمر منشأة مائية.
فخزان سنار لم يبقَ طوال هذه السنوات على حاله؛ بل تغيرت طريقة تشغيله، وأدخلت عليه تعديلات وتطورات فرضتها الحاجة إلى زيادة التخزين وتوسيع الاستفادة من مياهه.
وفي الفترة 1950–1952 جرى رفع الخزان وزيادة سعته التخزينية، في مرحلة كانت فيها منظومة الري تتطور وتتوسع.
ثم جاءت مرحلة أخرى أكثر أهمية في 1962، عندما أضيفت توربينتان لتوليد الكهرباء، بقدرة 7.5 ميغاواط لكل منهما. ومنذ ذلك الوقت أصبح الخزان يؤدي وظيفة إضافية إلى جانب دوره الأساسي في الري.
وهكذا تحولت وظيفة الخزان تدريجياً من تنظيم مياه الري أساساً إلى منظومة تجمع بين المياه والزراعة والطاقة.
حكاية الطمي.. حين يفرض النهر قوانينه
ولأن النيل الأزرق ليس مجرد ماء، بل يحمل معه كميات كبيرة من الرواسب، فقد كانت إدارة الطمي واحدة من التحديات المستمرة أمام الخزان.
صُممت المنشأة في الأصل بطريقة تسمح بتمرير الرواسب خلال موسم الفيضان، وهو ما ساعد على الحد من تراكمها.
لكن تغيير قواعد التشغيل بين عامي 1981 و1986، عندما أصبحت أولوية توفير مياه الري أكبر من تمرير الرواسب سنوياً، أدى إلى ارتفاع كبير في معدلات الترسيب. وبعد عام 1986 عادت عملية تمرير الرواسب سنوياً، فانخفض معدل فقدان السعة التخزينية.
وهذه ليست مجرد حكاية هندسية.
إنها درس في أن التعامل مع النهر لا ينفصل عن طبيعته؛ فالماء الذي يمنح الحياة يحمل معه أيضاً الطمي، والطمي إذا لم تتم إدارته يصبح تحدياً للمنشأة التي صنعت لتنظيمه.
سنار.. بين الخزان وذاكرة المكان
لكن هناك جانباً من قصة سنار لا تستطيع التقارير الهندسية وحدها أن ترويه.
فالمكان الذي شهد واحداً من أكبر التحولات في تاريخ الزراعة السودانية، هو نفسه جزء من منطقة ذات عمق تاريخي وروحي كبير.
وفي محيط سنار تحضر قبة الشيخ فرح ود تكتوك، الشخصية الصوفية والشاعر المعروف الذي عاش في عصر سلطنة سنار، وتذكر المصادر أنه توفي ودُفن في قرية بئر شرق النيل الأزرق قبالة سنار، حيث توجد قبته التي يزورها الناس.
وهنا تتجاور في المشهد ذاكرتان:
ذاكرة أقدم، صنعتها سنار التاريخية ورموزها الدينية والثقافية؛ وذاكرة أحدث، صنعها الخزان ومشروع الجزيرة والزراعة والري.
وبين الاثنين يقف الإنسان.
الناس.. الوجه الذي لا يظهر في الخرائط
لو نظرنا إلى خزان سنار من أعلى، سنرى جسراً ومياهًا وبوابات ومنشآت.
لكن لو اقتربنا من الناس، سنرى قصة أخرى.
سنجد مزارعاً يعرف موعد الماء أكثر مما يعرف الأرقام.
وعاملاً أمضى سنواته في خدمة الخزان.
ومهندساً ارتبطت سنوات عمله بالبوابات والمناسيب والتوربينات.
وأسرة عاشت على محصول خرج من أرض وصلتها المياه من هذا الخزان.
وسنجد قرى تشكلت حياتها الاقتصادية والاجتماعية حول الزراعة والري.
هذه هي الذاكرة الاجتماعية للخزان؛ وهي ربما أهم ما ينبغي أن نبحث عنه ونحن نحتفي بمئويته.
فالتاريخ الرسمي يخبرنا متى بُني الخزان، وكيف تغيرت سعته، ومتى أضيفت التوربينات.
لكن الناس يستطيعون أن يخبرونا:
كيف غيّر الخزان حياتهم؟
قصص لم تُكتب بعد
وراء خزان سنار أرشيف شفهي كبير لم يأخذ حقه من التوثيق.
قصص العاملين الأوائل.
حكايات المهندسين الذين تعاملوا مع الخزان في ظروف مختلفة.
ذكريات المزارعين مع مواسم الري.
حكايات الفيضانات والطمي.
قصص القرى التي ارتبطت بالمشروع.
الرحلات إلى الخزان.
الأفراح والمناسبات التي ارتبطت بالمكان.
وحتى الحكايات الشعبية التي تناقلتها الأجيال حول النيل والخزان وقبة الشيخ فرح ود تكتوك.
كل ذلك يستحق أن يُجمع قبل أن يغيب أصحاب الذاكرة.
فالمئوية ليست مناسبة لاستعادة التاريخ المكتوب فقط؛ إنها فرصة لإنقاذ التاريخ الذي يسكن في ذاكرة الناس.
مئة عام.. والخزان في مواجهة المستقبل
بعد قرن كامل، تبدو الأسئلة أكبر من مجرد الاحتفال.
هل ما زال خزان سنار يؤدي الدور الذي أنشئ من أجله بالكفاءة المطلوبة؟
كيف أثرت التغيرات في إدارة المياه والطمي على عمره وقدرته التخزينية؟
كيف يمكن الحفاظ على منشأة تجاوز عمرها مئة عام؟
وماذا يعني ذلك لمستقبل مشروع الجزيرة والمناقل والزراعة المروية في السودان؟
هذه الأسئلة تجعل من مئوية الخزان مناسبة لإعادة النظر في منظومة المياه والزراعة كلها، وليس الاحتفاء بمبنى تاريخي فحسب.
خزان سنار.. حين يصبح الماء ذاكرة
مئة عام مرت منذ أن اكتمل الخزان.
مئة عام تبدلت خلالها الحكومات، وتغيرت السياسات، وتعاقبت الأجيال، وتطورت أدوات الزراعة والري، ودخلت الكهرباء إلى منظومته، وتغيرت طرق تشغيله وإدارة رواسبه.
لكن شيئاً واحداً ظل ثابتاً:
الماء.
الماء الذي يخرج من النيل الأزرق، ويمر عبر الخزان، ثم يواصل طريقه نحو القنوات والأرض.
ومن الأرض يخرج القطن والقمح والذرة وغيرها من المحاصيل.
ومن المحصول تبدأ دورة حياة كاملة.
ولهذا فإن خزان سنار ليس مجرد كتلة من الخرسانة تقاوم الزمن.
إنه ذاكرة مائية للسودان.
ذاكرة بدأت قبل مئة عام عند بوابات الخزان، ثم امتدت إلى الحقول والقرى والأسواق والبيوت، وعاشت في ذاكرة المزارعين والعاملين، وظلت مرتبطة بتاريخ سنار ومكانتها.
وبعد قرن من عمره، ربما يكون السؤال الأهم ليس:
ماذا فعل خزان سنار بالسودان؟
بل:
ماذا سيفعل السودان بخزان سنار في المئة عام القادمة