بين الإنجاز واستثمار العقول… رسالة تقدير إلى والي كسلا
شبكة الوريفة الإخبارية
بقلم: المستشار عبدالمجيد محمد محمود
ليست القيادة مجرد إصدار للقرارات، وإنما هي القدرة على إدارة التحديات، وتحويل الأزمات إلى فرص، وجمع الناس حول مشروع يخدم الوطن. وفي ولاية كسلا، التي ظلت لسنوات تواجه تحديات أمنية واقتصادية واجتماعية معقدة، برز والي الولاية اللواء الركن (م) الصادق محمد الأزرق كواحد من القيادات التي نجحت في إدارة مرحلة استثنائية بكل ما حملته من صعوبات.
لقد استطاع الوالي، رغم الظروف التي تمر بها البلاد، أن يحافظ على قدر معقول من الأمن والاستقرار، وأن يعزز السلم المجتمعي بين مكونات الولاية، وأن يفتح أبواباً للتنمية والخدمات في وقت كانت فيه الإمكانيات محدودة والتحديات متراكمة. كما استطاع أن يحافظ على جسور التواصل مع مختلف القوى المجتمعية، الأمر الذي جعل كثيراً من أبناء الولاية يلتفون حول قيادته، ويمنحونه مساحة من الثقة والاحترام.
وهذا ليس أمراً يسيراً في ولاية تُعرف بتنوعها الاجتماعي والثقافي، وبما يحيط بها من تحديات داخلية وخارجية.
غير أن أي تجربة ناجحة، مهما بلغت، تظل بحاجة إلى رافعة أساسية هي الاستثمار في العقول.
إن التنمية لا تُبنى بالطرق والجسور وحدها، بل تُبنى أيضاً بالإنسان الذي يدير هذه الطرق، ويبتكر الحلول، ويقود المستقبل. وهنا أجد نفسي مضطراً لأن أكتب هذه الكلمات لا من باب النقد، وإنما من باب الحرص.
في كسلا عشرات الخبراء، والمدربين، والأكاديميين، والمستشارين الذين راكموا خبرات وطنية ودولية، وأسهموا في تنفيذ برامج مع الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والمؤسسات الحكومية، إلا أن كثيراً من هذه الطاقات لا تزال بعيدة عن دوائر صناعة القرار والاستفادة منها.
ولعلني أتحدث هنا أيضاً عن نفسي، لا باعتبار ذلك مطلباً شخصياً، وإنما باعتبار أن الخبرة إذا لم تُستثمر فإن المجتمع كله يخسر.
لقد أمضيت سنوات في بناء القدرات، وريادة الأعمال، وإدارة المشاريع، والتنمية المجتمعية، وعملت مع منظمات وطنية ودولية، وأسهمت في تدريب آلاف الشباب والنساء، وما زلت أؤمن بأن ولاية كسلا تمتلك من الطاقات البشرية ما يجعلها نموذجاً وطنياً إذا أُحسن توظيف هذه الكفاءات.
رسالتي إلى السيد الوالي ليست شكوى، ولا بحثاً عن موقع، وإنما دعوة لأن تصبح المعرفة جزءاً أصيلاً من عملية إدارة الولاية.
فكما نجحت القيادة في تعزيز الأمن، فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى أمن فكري وتنموي يقوده الخبراء وأصحاب الاختصاص، عبر مجالس استشارية، ومنتديات معرفية، وبرامج لتأهيل الشباب، وصناعة القيادات الجديدة.
إن الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الوحيد الذي تتضاعف عوائده مع الزمن، وهو الطريق الأقصر لبناء ولاية قادرة على مواجهة المستقبل.
وأثق أن اللواء الركن (م) الصادق الأزرق، بما عُرف عنه من سعة صدر واستماع للرأي الآخر، سيدرك أن هذه الكلمات ليست إلا رسالة محبة، وأن تقدير الإنجاز لا يتعارض مع الدعوة إلى استكماله.
فالتاريخ لا يخلّد من شيد المباني فحسب، بل يخلّد أيضاً من بنى العقول، وأطلق طاقات المبدعين، وجعل من المعرفة شريكاً في القرار.
ولعل المرحلة القادمة تكون مرحلة يلتقي فيها القرار التنفيذي مع الخبرة الوطنية، فتكون كسلا أكثر إشراقاً، وأكثر قدرة على صناعة مستقبل يليق بأهلها.
المستشار عبدالمجيد محمد محمود
مستشار في بناء القدرات والتنمية المؤسسية وريادة الأعمال.