| إبراهيم شقلاوي
شبكة الوريفة الإخبارية
من أساسيات مهنة الصحافة: ليس كل اختلاف انحيازًا، ولا كل قراءة نقدية اصطفافًا مع طرف ضد آخر. أستحضر هذه القاعدة كلما اقترب النقاش من مناطق الاستقطاب، حيث يصبح تحليل موقف أو فكرة كافيًا لإلحاق الكاتب بهذه المجموعة أو تلك. حدث ذلك في مقال سابق بعنوان “المؤتمر الوطني.. من العزلة إلى العودة”، وكاد أن يخسرني إخوة وزملاء أقدّرهم وأحترمهم، لأن بعضهم، للأسف، قرأ المقال من زاوية الانقسام الداخلي للمؤتمر الوطني، لا من زاوية الفكرة التي حاول المقال مناقشتها.
وقد حرصت يومها على أن أقول بوضوح، “بصرف النظر عن مع أو ضد”، لأن وظيفة التحليل السياسي ليست نصرة لأشخاص أو تيارات، وإنما تفكيك للمشهد والوقائع وقراءة ما وراء الأحداث. وفي الفلسفة تعلمنا أن نقاش الأفكار أبقى أثرًا من نقاش الأحداث، لأن الحدث عابر، بينما الفكرة تعيش بين الناس و هي التي تصنع الموقف وتؤسس للمستقبل.
اليوم يبدو أننا نقف أمام منعطف مشابه، يتعلق بالخلاف حول موقف نقابة الصحفيين، من التحالفات السياسية، وفي مقدمتها تحالف “صمود”. ومن المهم هنا أن نقرأ المسألة بعيدًا عن الحسابات الشخصية أو الاصطفافات المهنية، لأن القضية، أكبر من خلاف بين اتحادين أو اختلاف داخل جسم نقابي، إنها تتصل بسؤال الفكرة والوطن ، من يملك الشرعية، بل من يثبت على موقفه حين تهتز الموازين. ومع تقديري للاتحاد العام للصحفيين السودانيين، صاحب الأساس التاريخي والتمثيل الجامع، فإن الشرعية ليست شيكًا على بياض، فالمواقف تُقاس باستقلال القرار وثبات المبدأ والانحياز للوطن، لا بتبدّلها كلما تبدّلت التحالفات والحسابات السياسية.
وبحسب شبكة الخبر، حسم مجلس نقابة الصحفيين موقفه من “صمود” ، مؤكدًا أن الانسحاب قرار مبدئي ونهائي، مرتبط باستقلال النقابة ووحدة عضويتها وتنوعها. وهو موقف يتجاوز فكّ الارتباط بتحالف سياسي إلى إعادة ضبط الحدود بين المهني والسياسي. ومن زاوية أخرى، وفي سياق الحوار السوداني– السوداني، ربما تكتسب مثل هذه المراجعات أهمية خاصة، بما يفرض الواقع من مقاربات جديدة في قراءة المواقف السياسية.
وهنا تبرز الحاجة إلى التمييز بين التنسيق والاندماج، فالنقابة تستطيع التعاون مع القوى النقابية والمدنية والسياسية في القضايا الوطنية، كوقف الحرب وحماية المدنيين والحريات وحقوق الإنسان واستعادة الحكم المدني دون أن تتحول إلى طرف تنظيمي في أي تحالف سياسي. فالصحافة ليست حزبًا، والنقابة ليست تحالفًا، واستقلالها لا يمنعها من الفعل الوطني، بل يحميه من أن يتحول إلى اصطفاف سياسي.
وهذا التمييز مهم للمهنة، فاستقلال النقابة لا يعني عزلها عن الشأن العام، كما أن حضورها فيه لا يبرر ارتهانها لتحالف سياسي. الخطر يبدأ حين تفقد قدرتها على تمثيل الصحفيين، وتتحول من إطار جامع إلى صوت لاتجاه بعينه. ومن هنا تُفهم توضيحات مجلس النقابة بشأن إجراءات إعداد البيان الختامي لدورة الانعقاد الرابعة عشرة وما أثير حول توصياته السياسية ،فالمسألة تتجاوز إلى استقلال النقابة، بحيث تظل مرجعتيها مستندة إلى إرادة أعضائها ومؤسساتها، لا إلى اصطفافات سياسية متغيرة.
إذا كانت النقابة قد اختارت الاستقلال، فإن عليها في المقابل أن تتحمل تبعات هذا الخيار كاملة، أي أن تكون أكثر حضورًا في القضايا الوطنية، وأكثر قدرة على النقد والنقد المقابل. فالاستقلال الحقيقي لا يعني الحياد عن قضايا الوطن، وإنما يعني امتلاك المسافة المهنية والأخلاقية التي تسمح بانتقاد الجميع عندما يخطئون، ودعم الجميع عندما يصيبون، دون أن تتحول إلى ذراع لأطراف مرتهنة الإرادة.
من هذه الزاوية، لا تكمن قيمة ابتعاد النقابة عن “صمود” في فكّ ارتباط تنظيمي ، بل في التخلص من الحمولة السياسية التي دفعتها إلى تبنّي سردية “الحرب بين جنرالين” . فالحرب ليست صراعًا متكافئًا بين طرفين، بقدر ما هي عدوان وتمرد تغذّيه أطماع في موارد البلاد ومصالح وقوى إقليمية، فيما يؤدي الجيش السوداني ، واجبه الدستوري والقانوني في الدفاع عن البلاد واستعادة الأمن وإخضاع التمرد لسلطة الدولة. وهذا يضع الحرب في سياقها الصحيح، بعيدًا عن الابتزاز أو المساواة بين الدولة والتمرد.
المراجعة الحقيقية ليست اعتذارًا عن الماضي ولا انتصارًا لنقابة على اتحاد، بل تحرير للمؤسسة المهنية من أسر الاصطفاف السياسي، فالصحافة تراقب السلطة، وتنتقد المعارضة حين ترتهن للخارج أو تجعل القرار الوطني تابعًا لأجندة عابرة للحدود، وتراجع حلفاءها بالصرامة نفسها التي تحاكم بها خصومها. فحين يصبح الحليف معيارًا للصواب والخصم معيارًا للخطأ، لا تعود المؤسسة المهنية تراقب السياسة، بل تمارسها من خلف ستار الصحافة. وهنا تتكشف آثام السياسة أمام مبدأ الصحافة حين تتسلل إلى قيم المهنة، الصحافة تنحاز للحقيقة والوطن، لا للأطراف، ومهمتها أن تراقب السياسة لا أن تصبح أداةً فيها.
دمتم بخير وعافية.
الأربعاء 16 سبتمبر 2026م. Shglawi55@gmail.com
#نقابة_الصحفيين #استقلال_الصحافة #حرية_الصحافة #العمل_النقابي #الإعلام_السوداني #المشهد_السياسي #الحوار_السوداني_السوداني #الصحافة_والسياسة #المهنية_الصحفية #السودان #إبراهيم_شقلاوي