آخر الأخبار
اخبارك في موعدها

سناريات : نساء السلطنة الزرقاء : حين كانت الكنداكة تصنع الملوك في سنار

شبكة الوريفة الإخبارية
بقلم:
خالد الحاج دفع الله

في زمن كان فيه كثير من المجتمعات تحصر المرأة بين جدران البيت، كانت سنار تقدم نموذجاً مختلفاً. سلطنة الفونج 1504 – 1821م لم تكن دولة رجال فقط. المرأة فيها كانت شريكة في الحكم والاقتصاد والدين، بل أحياناً كانت هي من تصنع السلطان نفسه.

1. الكنداكة تعود من مروي
السر يبدأ من إرث مملكة كوش. لقب “الكنداكة” لم يمت مع أهرامات البجراوية. الأم السلطانية في سنار ورثت نفوذ الكنداكة القديمة. كان السلطان لا يوقع قراراً يمس حقوق أمه. هي تختار، وهي تمنع، وهي التي يأتي الديوان ليستشيرها قبل تنصيب سلطان جديد. نظام الوراثة كان يبحث عن “ابن الأميرة” قبل “ابن السلطان”. لهذا قال الرحالة إن سلطان سنار الحقيقي هو خاله.

2. زواج سياسي وسلاح ناعم
المنجل، وهو حاكم الإقليم، كان مجبراً على الزواج من بنات البيت المالك. الزوجة هنا لم تكن للزينة. كانت عين السلطان وأذنه في كردفان أو الجزيرة أو شندي. والتاريخ حفظ لنا أسماء ملكات حاكمة مثل الملكة جوة والملكة فاطمة وستنا بت نصر. أغلب نفوذهن ظهر في مناطق شندي والشرق، حيث مملكة مروي القديمة. كأن الجغرافيا نفسها ترفض نسيان الكنداكة.

3. في السوق والخلوة
مكانة المرأة لم تكن سياسية فقط. في أسواق سنار كانت تجد التاجرة تبيع وتشتري وتكتب العقود. ومع دخول الإسلام، تحولت الوراثة من جهة الأم إلى جهة الأب، لكن الشريعة ضمنت للمرأة حقها في الميراث. وفي الخلوة، كانت الشيخة آمنة الهوارية تعلم البنات. ومن بيتها في كردفان خرجت الفقيهات ميمونة ورقية بنتا عبد القادر. الطرق الصوفية فتحت باباً جديداً للمرأة، فصارت جزءاً من رابطة اجتماعية تتجاوز القبيلة.

4. نظام طبقي بقوانين صارمة
لم تكن الصورة وردية تماماً. السلطنة كانت طبقية بامتياز. مكانة النبيل تعتمد على زواجه من أميرة. السلطان كانت له 600 زوجة من بنات النبلاء، والنبيل الكبير 200. وكانت هناك قوانين لبس تحدد المسافة بين النبيل والعامة. المخالفة عقوبتها الاسترقاق. حتى إعدام السلطان المعزول كان من مسؤولية خاله، لأن المرأة كانت مسؤولة اجتماعياً عن أخيها.

الخلاصة
المرأة في السلطنة الزرقاء لم تكن على الهامش. كانت في قلب المعادلة. شريكة في السياسة عبر الكنداكة والزواج الملكي. شريكة في الاقتصاد عبر التجارة. شريكة في الدين عبر التصوف والتعليم. الإسلام جاء فأعطاها حق الميراث والتعلم، وحافظ المجتمع على إرث الكنداكة القديم. لهذا عندما نقرأ تاريخ سنار، يجب أن نقرأه بعينين: عين ترى السلطان على العرش، وعين ترى الكنداكة التي صنعت ذلك العرش.

شاركـ علـى
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.