آخر الأخبار
اخبارك في موعدها

ترقيات الشرطة بين فرحة المستحقين وتساؤلات المستبعدين

أحمدبامنت

خلال الأيام الماضية، امتلأت منصات التواصل الاجتماعي برسائل التهاني والتبريكات التي تبادلها منسوبو قوات الشرطة السودانية بمناسبة الترقيات الأخيرة التي شملت عدداً كبيراً من الضباط وضباط الصف. وتحولت الصفحات الشخصية والمجموعات المتخصصة إلى مساحة واسعة للاحتفاء بالمستحقين الذين انتقلوا من رتبة إلى أخرى، في مشهد عكس حيوية واحدة من أعرق المؤسسات النظامية في البلاد.

وقد لفت هذا الحضور الكثيف للترقيات على “التايم لاين” الأنظار إلى ما يدور داخل مؤسسة الشرطة السودانية، تلك المؤسسة التي ظلت عبر تاريخها الطويل نموذجاً للانضباط والتدرج المهني والالتزام باللوائح والنظم الحاكمة للخدمة.

وللأمانة والإنصاف، فإن الشرطة السودانية تُعد من أبرز مؤسسات الدولة اهتماماً بالتدريب والتأهيل وبناء القدرات. فمن النادر أن تجد ضابط شرطة لم تتح له فرصة التدريب أو التأهيل المهني المتقدم، أو لم ينل نصيبه من الدورات التخصصية والقيادية التي تسهم في تطوير أدائه وترقية قدراته. كما أن المؤسسة ظلت حريصة على الاستثمار في العنصر البشري باعتباره الركيزة الأساسية لنجاح رسالتها الأمنية والمجتمعية.

غير أن ما صاحب كشوفات الترقيات الأخيرة أثار جملة من التساؤلات المشروعة التي تستحق الوقوف عندها، ليس من باب التشكيك في القرارات، وإنما من باب الحرص على ترسيخ مبادئ العدالة والشفافية التي تمثل أساس استقرار أي مؤسسة محترمة.

ولعل أكثر الوقائع التي أثارت الدهشة والاستغراب قضية المساعد علي قوبل، الذي تلقى قرار ترقيته إلى رتبة الملازم وسط فرحة عارمة من أسرته وزملائه ومعارفه، قبل أن تتبدد تلك الفرحة بصورة مفاجئة بعد سحب الترقية بحجة وجود خطأ في الاسم. وهي واقعة، بصرف النظر عن تفاصيلها الفنية والإدارية، تطرح أسئلة حقيقية حول دقة الإجراءات وآليات المراجعة والتدقيق التي تسبق صدور مثل هذه القرارات المهمة.

فالأمر لا يتعلق بخطأ عابر فحسب، وإنما بمسألة تمس مستقبل الأفراد وحقوقهم المعنوية والمهنية، الأمر الذي يجعل من الضروري مراجعة مثل هذه الإجراءات بما يتناسب مع مكانة مؤسسة بحجم وعراقة الشرطة السودانية.

وفي السياق ذاته، برزت تساؤلات أخرى حول عدم شمول عدد من ضباط الدفعة (39) المنتمين إلى جبهة الشرق في الترقيات الأخيرة، رغم ما يتردد عن استيفائهم للشروط والضوابط المطلوبة للترقية.

فهؤلاء الضباط لم يلتحقوا بالمؤسسة عبر مسارات استثنائية خارج إطار القانون، وإنما تم استيعابهم ضمن الترتيبات الأمنية لاتفاق سلام شرق السودان لعام 2006، تنفيذاً لالتزامات رسمية أقرتها الدولة. ومنذ التحاقهم بالخدمة انخرطوا في العمل الشرطي جنباً إلى جنب مع زملائهم، وتقاسموا معهم الواجبات والمسؤوليات والمخاطر، وخضعوا لذات القوانين واللوائح والبرامج التدريبية التي يخضع لها جميع منسوبي الشرطة.

وتشير المعلومات المتداولة إلى أنهم استوفوا المدة القانونية المطلوبة للترقية، وأكملوا الدورات الحتمية اللازمة، وحصلوا على التوصيات المهنية المؤيدة لاستحقاقهم، الأمر الذي يجعل استبعادهم من كشوفات الترقيات محل تساؤل مشروع يستوجب التوضيح.

إن تجاوز هذه الفئة من الضباط، إن ثبت استيفاؤها لجميع الشروط، لا يُنظر إليه باعتباره مجرد إجراء إداري عابر، بل قد يخلق شعوراً بالتمييز وعدم المساواة، ويولد إحساساً بالظلم وسط من يرون أنهم أدوا واجباتهم المهنية كاملة واستوفوا متطلبات التدرج الوظيفي شأنهم شأن بقية زملائهم.

والحقيقة أن المؤسسات الكبرى لا تُقاس بقدرتها على تجنب الأخطاء فحسب، وإنما بقدرتها على الاعتراف بها ومعالجتها متى ما ظهرت، وبمدى استعدادها للاستماع إلى الملاحظات والتعامل معها بروح المسؤولية والشفافية.

فالعدالة داخل المؤسسات النظامية ليست ترفاً إدارياً، بل هي أحد أهم مقومات الانضباط والاستقرار المهني. وكلما شعر منسوب المؤسسة بأن الحقوق تُمنح وفق معايير واضحة ومعلنة، ازدادت ثقته في قيادته وارتفع مستوى انتمائه وإخلاصه لأداء واجبه.

ومن هذا المنطلق، فإن معالجة ما أثير حول قضية المساعد علي قوبل، والنظر بجدية في أوضاع ضباط الدفعة (39) من أبناء جبهة الشرق، تمثل فرصة مهمة لتأكيد التزام المؤسسة بمبادئ العدالة والشفافية والمساواة بين جميع منسوبيها.

فالمطلوب اليوم ليس الجدل ولا التصعيد، وإنما توضيحات رسمية تضع الحقائق أمام الجميع، وتبدد الشكوك، وتؤكد أن الحقوق الوظيفية داخل الشرطة السودانية تُدار وفق القانون واللوائح بعيداً عن أي استثناء أو تمييز.

وعندما تكون العدالة حاضرة، تصبح الترقية مصدر فرح للجميع، لا مناسبة تثير لدى البعض شعوراً بالغبن أو التساؤل. وتلك هي الرسالة التي تليق بمؤسسة ظلت لعقود طويلة إحدى ركائز الدولة السودانية وعنواناً للانضباط والاحترافية.

شاركـ علـى
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.