- الفصل الخامس
” أحياناً يهبنا الله شيئاً مميزاً يعتبره الآخرون نعمة لنا ، ولكنهم لا يدركون كم عذبنا هذا الشيء . لنكتشف مع الزمن إنه لم يكن نعمة لنا ، بل كان نقمة علينا ! ! ”
وظل هذا السحر يشدني اليه ، وأنا أشد نفسي منه !
فلابد أن أجد حلاً فليس من الطبيعي أن أهفو للرجال كل حين ! وأول خطوة للحل كانت قطع علاقتي مع سيد المصري . لقد كان بهذا الرجل سحراً هو الآخر ، فمدفعه يظل معبأ لساعة كاملة ، وهو يعمل دون كلل ! وقد صارحها مرة قائلاً
-دنا أصحابي بيقولو لي ” فحل النساء ” ، لكن صدقيني ، ما فيش مره قدرت علي غيرك ! دنتي رغبتك تجنن ، و أنوثتك مُدهشة يا بت …. !
وظل يقبلني ثم قال ، فجأة
ما تجي نتجوز يا مي !
وكانت هذه المرة الثالثة ، التي يطلب منها الزواج ! لكنها كانت تدري أن زواجهما معاً ، سيكون فاشلاً ! لأن كل منهما يُدرك جنون الآخر الجنسي ، وهذه أكبر مشكلة فلن تكون هناك ثقة بينهما ، و ستزداد المشاكل . وقد تحدث جريمة بسبب هذا الأمر ، فسيد المصري كان لا يحتمل أن ينظر إليها رجلاً برغبة سواه ، ومرة كسر لرجل يده بسببها ولولا معارف غادة لوصل الأمر مداه .
كلا زواج مع سيد المصري لن ينفع ، لن ينفع أبداً ! وطلب منها أن تذهب معه مصر وتعيش مع أمه في طنطا ، لكنها رفضت
بل طلبت منه أن يقطع علاقته بها ولا يعود للسودان يوماً من أجلها أبداً ….. أبداً …. ولم تطلب منه أن ينساها ، لأنها كانت الوحيدة التي تدري عذاب النسيان…
فتلك العامين التين استظلا بعلاقتهما فيها معاً ، مستحيل أن تنسي !
ومع ذلك ظل سحرها أحياناً يشتعل ، مثل تلك الألعاب النارية في السماء ،
التي تضئ بأشكال مدهشة ، ثم تختفي فجأة !
أردت أن أبحث عن مكمن هذا السحر فكرت كثيراً، وأخيراً تجردت من ملابسي ووقفت أمام مرأة الدولاب الطويل عارية !
تملكني شعور لم أحسه قبلاً ليس حياءاً ولا فرحة ولا نشوة وأنا أنظر لذلك الجسد الممشوق أمامي وأخاطبه قائلة
( أين يكمن سحرك أيها الملعون؟!)
دون أن أجد ردا … أول مرة أتفحصه أمامي وكأني أنظر لجسد آخر، أرجل طويلة وأرداف ممتلنية وعجيزة مدهشة !
تلفتت خلفي عدة مرات لارأها جيداً وأنا أتلمسها وأشعر بوقعها في نفوس
الآخرين…. لمست ذاك العش الصغير وأنا أضربه خفيفاً وأهمس وأنت “ما سرك يا حبيبي”! ومررت بتندة صغيرة لأري صرة مخفية لداخل البطن الضامر، ليعطي خصر لا يتناسب وعمري مع هاتان البرتقالتان الصغيرتان بحلمتيهما النافرة للأمام وهي تتدفق بالحياة، وكأنها لفتاة في العشرين من عمرها ! ألمسها عدة مرات، وألمس صدري دون أن أجد جواباً …
وأتلفت لأري ظهري الطويل في المرآة، وأنا أحاول لمسه بظهر يدي عدة مرات وثم أعود فألمس ثدني وأحتويه بيدي وأنا أدغدغ الحلمة ….
تمنيت لحظتها لو أجد رجلاً بجانبي… إنتابتني حالة من الهياج وأنا أمسح رقبتي بيدي اليسري بالجانبين وأتذكر كل الرجال الذين تمنوني مرة واحدة !
ليتهم يروني الآن… أحسست بالخجل، أخفيت صدري بيدي الإثنان و أنا أغمض عيناي وأخذ نفسي وأهتف بأهة طويلة ….
نظرت لوجهي في المرأة دون أن أعيره إهتماماً … تبينت أن المرأة قديمة ومشروخة في أكثر من موضع أحسست كأن أحداً ينظر لي أسرعت بإرتداء ملابسي، دون أن أجد رداً !
وبقي هناك دوماً حنين بداخلها لرجل بعيد عنها عبده ، عبده الذي يعرف كل شيء عنها دون أن تدري !
فبعد أن شفى عبده من المرض ومرت الأيام ، فهدأت ناره قليلاً ! قرر أن يعرف أخبارها ، فراسل أصدقائه ليسألوا عنها فعرف صداقتها مع عمار الصغير ،و غادة وسيد المصري ، وسفرها لمصر ، و موت عمي الطاهر . بعد طلاقها منه ، وتجارتها في الأجهزة الكهربائية ، وقبل أن يفرح بطلاقها عرف أنها قد تزوجت مرة أخرى ! !
لحظتها قرر أن يقتلها إذا التقاها ! فلابد أن يقتلها خنقاً ، كيف تتزوج مرة أخرى !
وهي تدرك أنه باقي عليها ، كيف هان عليها ذلك ؟ !
لكن لم يكن يدري بأن مي ما كان بيدها خيار فالسحر مجهجهها ! وقد كان هناك حلان لا ثالث لهما ، أما الضياع و الجري وراء سحرها و إرضاء رغباتها المجنونة في الرجال ، واما الزواج فاختارت الزواج…
لقد قررت أن تكون عاقلة ، فهي لديها أسرة وأخوات صغيرات ، ما زالت الحياة أمامهن .
لآن أصدقاء عبده كانوا يدركون أن عبده لن يصدق ما يقولون في مي ! فقد أرسلوا له صورها ، وهي مع عمار ، وسيد المصري ، وغادة وشلتها في السوبر ماركت ، و أشخاص أخر ، حتى مي ما كانت تذكرهم .
ظل عبده ينظر للصور وهو يفكر في مي والألم يحرقه حتى الصباح ! مي ، مي عبد الجبار أيعقل أن تنزلق للأسفل ؟ ! أيعقل أن تتوه في زحمة الحياة ! فكر أن يتصل بها ولكن كلا …. لقد وعد أمه ألا يكون هناك تواصل بينه ومي وسافر إثر ذلك ، سيبقى على وعده لأمه . ولكن لأبد أن يعود عليه أن يعود لينتشل مي مما هي فيه .و قال له أصدقاؤه
” مي ما عادت مي التي تعرفها ،انساها ! ”
لكنه كان يدرك أنه لن يستطع فهو يتذكرها الآن أكثر ، وجرحها يكبر …. يكبر مع الأيام والسنين…
وتذكر عندما كان يشتعل شوقاً إليها ، يقول لها
“غمضي عينيك يا مي ”
فتغمضهما وهي تضحك ، قائلة
“عايز تعمل شنو ! ”
وبعد دقائق يقول فتحي !
فهتفت به
-عليك الله عملت شنو يا عبده ؟ !
فيهز رأسه دون أن يخبرها ! لقد لقد كان يُقبلها وهو يضعها في سريره الخاص ، دون أن تدرى !
لحظتها كان يرتجف شوقاً إليها ويتمناها بألف صورة و أخرى ! لقد رفض أن يجردها من خجلها العذري بأن يأخذها كما يريد ، حتى القبل قبلها مرتان لا غير ، وقد أتنا صدفة دون سابق تخطيط .
والأن أتعطي هي نفسها لكل من تشاء ؟ ! وضرب بالموبايل عرض الحائط ، بكل ما أوتي من قوة ، حتى تناثر أجزاء حزينة !
ومي تفتكر أنه كان يقول لها أحبك ! ببراءتها السابقة !
الآن ولت تلك البراءة …. صارت مي معروفة بأنها المرأة المدهشة في السرير ، و السعيد هو من يحظى بليلة معها ! !
أما سيد المصري فهو الوحيد الذي كان يُدرك سحرها ، لأنه كان يعلم أن السحر هو القوة الخفية التي لا يستطيع الإنسان التحكم بها ! ومي تحمل هذه القوة ، كما يحملها هو نفسه …. لذا فقد أطلق عليها سراً دون أن تدري
” ساحرة السرير ” كما يعلم أيضاً أنهما عندما يجتمعان بسحرهما معاً ، فحل النساء وساحرة السرير . فالسرير تحتهما ، يبكي طالباً الرحمة !
وظلت مي ترتاح لسيد المصري و تشتاق له ، وللياليه التي لا تنسى ! مي التي كانت تقف مثل الألف ، صارت تنحني في خضوع ، لسحر سيد المصري
حتى عندما طلبت منه ألا يعود للبلد يوماً من أجلها ، تمنت لو تقول له
” أبقى معي عمراً آخر ! ” لقد أدركت أن لسيد المصري سحراً آخر
و سافر سيد المصري ، كما سافر عبده سابقاً ، ولكن أحزانها لم تسافر !
وتزوجت سناء أول رجل تقدم لها وسافرت كندا ، ورفضت مي أن تحضر الزواج ! حتى لا تلتقي مها ، ولكنها رافقت صديقتها في الكوافير ، والمطار ، وهي تتساءل متى يعود عبده ؟ وثنائي العاصمة يتساء لان شدوا
(غيابك طال ، كفاية تعال ، شغلت البال بألف سؤال ! )
و لكن لقد مرت ثمانية سنوات دون أن يعلم أحد ، حتى عبده نفسه لم يكن يعلم ؟ !
وتزوجت مي ، تزوجت ضابط الشرطة حسن علي الشريف حتى تكون محترمة ، ولكنها لم تكن تعلم ، فالمحيط الذي دخلته ، لم يكن محترماً أبداً !
وقد التقيا بحفلة زواج في نادي الضباط بأمدرمان ، ولأن مي كانت ترتدي فستان سهرة ذهبي مخطط ، وقد رفعت شعرها لأعلى ، مع مكياج صارخ ، كانت نجمة الحفلة . ولأنه كان يعشق النجوم قرر أن يقتنيها ! فتزوجها وهو غير مصدق أن يتم الأمر بهذه السهولة ، لأن مي نفسها كانت تخطط للزواج وتتمناه ، حتى تكون امرأة محترمة !
وسكنت معه في شقته الواسعة في الكلاكلة ، بعيداً عن أمدرمان وهي سعيدة بذلك . والشقة طابقان لها شكل قبابي من بعيد وهي توحي بالسعادة. لها باب كبير ، يفتح على حديقة واسعة ومن ثم باب الصالون الفخم ، الذي له باب داخلي يفتح على هول واسع بأثاثه الدمياطي الجميل ويميناً السلم الذي يؤدي لأعلى بارش يطل على الصالة حيث غرف النوم الثلاثة الواسعة ، وفي الهول يميناً المطبخ وغرفة البلياردو الواسعة والبار وبها باب غرفة داخلي مغلق دائماً مع الحمام . وتحت السلم غرفة الخادمة . وقد دار بها على البيت كله حتى تتفرج عليه في أول يوم لها ، ولكنه قال لها وهو يدخلها غرفة البلياردو
– هنا نقضي ليالينا الحمراء كما يُقال مع الأصدقاء ، وأفضل ألا تدخليها إلا بدعوة مني !
و ابتسم مضيفاً
سمها غيرة يا جميل
وهو يمسكها من وسطها من الخلف . فلم تقل شيئاً .
ولقد كان مشغول عنها يأتي من العمل متأخراً ، يخرج لقضاء السهرة مع الأصدقاء ، و أحياناً يعود الثانية صباحاً ! ونادراً ما ينام معها كرجل في السرير وقد تمضي ثلاثة أشهر لا يلمسها أبداً حتى تسألت لماذا تزوجها إذن ؟ !
وفي أحياناً كثيرة كان يحضر أصدقائه لقضاء السهرة في البيت ، ولكنها لا
تلتقيهم ولا تخدمهم ، فحسن يحضر طباخاً خاصاً لخدمتهم .
وحسن علي الشريف طويل ، رفيع الحجم ، شديد السمرة ، من أولاد الدمازين . هادئ في حديثه يرتدي دائماً بدلة كاملة ، دون ربطة عنق تضايقه يهتف بمي دائماً عندما يود مخاطبتها ” يا جميل” ويكون جالساً بجانبها في غرفتهما الخاصة بأعلى ، ممسكاً بيديها بين يديه بهدوء دون أن تحركه خمرتها المعتكه ،
حتى شكت مي فيه يوماً، و سألته
– انت متزوج من امرأة غيري ؟
-أبداً حد يتزوج الجميلة مي عبد الجبار ، ويفكر في الجواز عليها – ها ها ها هي …..
وعندما سألته مي بكل صراحة
-طيب مالك في السرير ، فأنت لا تأتيني إلا كل فترة و أخرى و …..
صمتت قليلاً وهي خجلى ، ثم أضافت و أنا أحتاج زوجي …. !
لحظتها قام من جانبها سريعاً وفتح الدولاب مخرجاً بدلة كاملة للخروج ، وقال
– يا ستي الشغل وتعبه والسهر مع الأصدقاء ، ما إنت عارفة الشلليات تدخين و وسكي ، وعرقي ! الواحد يجي تعبان ، ليدور الشغل في الصباح ..
ردت مي حينها وهي جادة :
-خلاص سوقني أسهر معاكم ، ولا خلى أصحابك ديل و…
سكتت وهي تدرك أنها لو واصلت لقالت له دون خجل
” لقد تزوجتك لأرتاح ، وليس لأتعب من جديد ! ”
و أمسكته من الخلف و أحاطته بيداها كما يقوم هو بذلك ، وهي تحاول مداعبته بيديها وتقول
– حسن خليك معاي الليلة حبيبي !
والتفت إليها دون أن يدري ماذا يقول ؟ ! فإذا برنين الموبايل ينقذه مما هو فيه ! و قد كان أصدقائه ، يحثونه على الخروج .
أدركت مي أن في الأمر شيئاً ! وبعد يوم واحد اكتشفته دون أن تفكر فيه ، أو تبدأ البحث عنه.
توفيت والدتها ، فجأة دون مرض أو شكوى ، أو علة ظاهرة أيقظوها الصباح
فوجدوها ميته !
ولم تدرك مي كيف يكون الحزن على فقد الأم ، حتى وجدته يعانقها كما الحبيب …. زينب الطيب النعيم ماتت أخيراً ! وجدت من يسكتها هذه المرأة وهي تلعلع بصوتها الطاقع كما المايكرفون ! لقد كانت قوة أكبر من كل القوى ….. قوة الموت الذي لا تستطيع أن نقول شيء سوى ” إنا لله و إنا إليه راجعون ! ”
وتداخل الحزن والفرح في حياتها معاً ، عندما وجدت عبده بعد عشرة أيام أمامها ، لم تصدق ، عبده ا فهي لم تدر متى جاء من السفر ؟ فلا تواصل بينها وسناء في هذه الفترة ….
وتعانقا بحزن وفرح خفي ، و صارت مي تبكي وهي في أحضانه ، تبكي وهي تقول في خاطرها
” أه حين يشتعل فينا الحنين لأيام طوتها السنين …. من قال
أن الحب يغدو ماضي ! ! حين نقابل من نحب ، يبكي القلب كطفل صغير” …
ولم يصدق عبده أن مي، مي عبد الجبار في أحضانه ، للحظة تعادل عمراً! مي ! وسالت دموعه قهراً فها هي مي التي سافر لينساها ، ولا يتواصل معها وقد ظل بعيداً عشرة أعوام عنها، وها هو ما أن يراها إلا ويستيقظ الماضي الدفين فقال في خاطرة
” نسيتك …. إنها إستراحة محارب الذي و إن طال الزمن ، لأبد أن يعود للقتال من جديد ! ”
تعانقا وهما يبكيان فقد زينب في الظاهر ، أما في الباطن فيبكيان قهر الزمن وظلم الحياة ، و ألم الفراق وفرحة اللقيا ، يبكيان شوقاً وحنين ، يبكيان عشرة أعوام مضت ، و عشرات قادمة يحلمان بها معاً !
يبكيان ليالي الذكرى الراحلة ، و ألم الماضي الدفين ….. يبكيان الوجع الباقي مع السنين ، يبكيان الغد الآتي المشين !
لقد كانت لحظة حزن و فرح ، سعادة و شقاء ، ويأس و أمل ….. حزن لألـم الفقد و فرح اللقاء… سعادة بحضن حلما به عمراً ولم يحققاه ، وشقاء لأن عمر الفرح دائماً قصير فلقاهما لن يطول…
يأس لأن كل منها في اتجاه آخر فعبده متزوج مها ، ومي متزوجة حسن ! و الأمل بأن يجمع القدر بينهما يوماً ، ذلك القدر الذي كانت له اليد الخارقة في فراقهما ، قد يكون رحيماً بهما يوماً فيجتمعان…
ومرت ثلاثة دقائق وهما متعانقان ، فقط مائة وثمانين ثانية لا غير و لكنها تعادل عمراً ، حيث قال والدها ، لينهي هذه المهزلة :
-مي إنا لله و إنا إليه راجعون خلاص يا عبده يا ولدي ، أدعو لها بالرحمة !
وقرب عبده أن يسبه علناً ، أما مي فقد قالت في سرها
” عمرك ساكت الليلة النطقك شنو ؟ ! ” وهي تتمنى لو ظل ساكناً فتعانقا حتى يأتي صباح يوم جديد !
وارتاحت مي كما إرتاح عبده ، لقد ارتويا من بعض الدموع ! وظل عبده ينظر إليها وليداها المخضبتان بالحنة ، و تمنى لو اُوتي خاتم سليمان في هذه اللحظة ، حتى يتمنى زوال هذه الحناء من يديها ورجليها معاً ، فتعود مي التي إرتاها سابقاً ، و يراها كل حين . مي التي عشقها دون خضاب ، و التي يجب أن تتخضب من أجله هو !
فمي لعبده وعبده لمي ويجب ألا تكون هناك أي قوة لتفرقهما من جديد ، لقد التقيا ويجب أن يلتقيا على الدوام ، لقد تعانقا ويجب أن يتعانقا كل ليلة ، كعروسین و كحبيبين وكعشيقين.
ولم تفكر مي في العودة لبيتها من جديد ، فماذا في ذاك البيت الجميل سوى الوحدة القاتلة ! حتى الجيران نادراً ما تراهم . أما زوجها فهو في عالم تاني
وبقيت ثلاثة أشهر في بيتها بالفتيحاب النفق ، دون أن يسألها زوجها العودة يوماً أو يطالبها بها ، وكان نادراً ما يزورهم . ولكنه يرسل لها مصاريفها دوماً و دون أن تسأل ، وقد أمرها والدها أن تعود لبيتها لكنها منذ أن رات عبده ، أدركت أنه ما عاد لها بيت زوجيه لقد انتهى الأمر ، وعاد عبده وكفى
فلا داعي للمرمطة بين الرجال وزوجها موجود ، زوجها الأصلي الذي يفيض شوقاً وحنين و رجولة موجود !
وقد منعها حسن سابقاً من مقابلة غادة أو الذهاب لها ، و إحتجت لكنه قال لها بهدوءه المعتاد:
-مي عندما أطلب منك شيئاً أطيعيني ، لأنني لا أريد أن أؤذي أحداً بسببك…
و لأنها خافت على غادة أطاعته ، و لكنهما ظلا يتواصلان بالهاتف دائماً .
وقد ملت حياتها معه ، فلا شيء جديد ، سوى أصدقائه الذين لا تراهم ويبقى معهم طوال الليل ، وعريدته الواضحة ، وعدم تواصلهما في السرير !و تلك الشقة الجميلة التي توحي لمن يراها من بعيد ، بأن سكانها هم أسعد من في الأرض دون أن يدري بأن البيوت أسرار ! وقد كان سر بيتها عجيب…
قالت لها غادة وهما في المطبخ مشغولاتان بتجهيز الغداء ، بعد ظهور عبده
بأسبوع :
-ألن تعودي لبيتك يا مي ؟
ردت مي بلا مبالاه
– خلاص ما عاد لي بيت ، بعد مجيء عبده !
صرخت غادة فيها :
– أنت مجنونة يا بت عبده شنو البتخربي لي بيتك !
عيشي حياتك يا مي و أنسي الماضي…
ردت مي بانفعال :
-عبده ليس ماضي و أنتي أكثر من يعرف ذلك عبده هو حياتي ، ولن أعيش
باقي عمري مع رجلاً سواه…
-و زوجك يا مي ، والحياة الحلوة التي تعيشيها ؟ !
لحظتها ألقت مي ما في يدها وهي تضحك
– زوجي كومبارس في السرير يا ستي ، ده لا يأتني إلا كل ثلاثة أشهر ! تخيلي و أنا التي تزوجت لأصون نفسي أظل ساهرة طوال الليل ، أحلم برجل بجانبي و زوجي موجود ! ! أما الحياة الحلوة التي تقولينها فأين هي ؟ إني لا أتذوق طعمها ، الجميع يتخيل أن حياتنا حلوة عندما يشاهد الشقة الجميلة الفخمة ، والفرش الدمياطي الجميل و الديكور السوري ، والطابقين الرائعين جداً…
الجميع يتخيل أن الحياة في مثل هذه البيوت ستكون حلوة ، و كمية السكر بها عالية ،لكنهم لا يدرون مقدار الملح الذي تذوقته بداخلها ! !
وصارت تبكي ! ! مي صارت تبكي بحسرة أيام سيد المصري المدهشة ، و الضابط حسن الذي يعجز عن ضبط سريره الزوجي ليلاً
اقتربت منها غادة وهي تحاول تهدئتها
– مي أسكتي يا بت ، انتي جيت عبده دي بهدلتك ! ما كنت عائشة حياتك مع حسن ده ، و عمرك ما شكيتي منو ! !
كانت عائشة فالبيت و العربية و الضابط كل تلك الأشياء أغرتها بالفخامة ،
وظنت أن الحياة في هذا الجو ستكون جميلة ! لقد وفر لها كل شيء ، فالسواق تحت أمرها لتذهب لمشاويرها و الأسواق والمولات والعالم الجديد الذي تراه جميلاً ، و خادمة تقوم بشؤن المنزل لقد صارت تشتري احتياجاتها من عفراء مول ، وهي عمرها لم تحلم بذلك !
فمن ماذا تشتكي ؟ ومن الذي سيصدق أن امرأة تعيش مثل هذه الحياة ، قد تكون لها شكوى !
حتى أدركت مع الأيام أن المظاهر خداعة ، و رويداً رويداً بدأت تنكشف لها الحقائق حتى بدون أن تسعى لذلك
فالسواق يقدم تقرير لزوجها يومي ولحظة بلحظة بالتلفون ، فتركت الخروج و ما عادت تذهب سوى للفتيحاب كل فترة لترى أسرتها ، وتحضر لهم ما يحتاجون من أشياء . والمولات كرهت أسعارها الغالية ! و أحياناً تشتري أشياء لا تستخدمها أصلاً !
و زوجها يريدها أن تخرج معه حفلات الزواج في النوادي ، و العشاءات الفخمة التي تقام مع أصدقائه ، كجوهرة يتباهى بها دون أن يدع أحداً يقترب منها ! فهو لا يقوم من جانبها حتى ينتهي الحفل فأصابها الضجر ! أما في الليل فهو لا يقدم شيئاً ليطفئ نارها الحري…
و عندما يأتيها يكون قد اعتلاه صديقه من الخلف في الغرفة الداخلية لغرفة البلياردو ، و دون أن يعتليه لا يستطيع أن يقربها أبداً !
والبيت الفخم الذي يتمناه كل شخص من حرام . أثاثه ومفارشه وفخامته حرام في حرام من تجارة السلاح ، و إدخال الممنوعات سراً للبلد !
أيقنت مي انها دخلت عرين الأسد ، دون أن تدرى كيفية الخروج منه ؟ !
تذكرت مي ذلك اليوم عندما طالبت زوجها قائلة ، و هي تمسك به من الخلف مداعبة:
حسن خليك معاي الليلة حبيبي !
فأنقذه رنين الموبايل منها ، ولكنه وعدها قائلاً
– خليها لبكرة أحسن و ساعيشك لحظات لا تنسى…
و تساءلت مي لماذا بكرة واليوم مالو ؟ ولكنها شكت في الأمر عندما قال لها بعد عودته عند الواحدة والنصف ليلا
-بكرة الأصدقاء حيعملوا القعدة هنا.
كالعادة وهي ممنوعة من المشاركة فيها ، ولكنها هذه المرة أصرت أن تشارك…
لأنه كلما تكون القعدة بمنزلها يكون حسن مشتاق لها ، و يُمارس معها الحب بمتعة ، ولكن ما دون ذلك لا يقربها أبداً ! !
ويومها عندما نزل للسهرة عانقها ونزل ، خرجت مي للكوافير صففت شعرها و أكملت مكياجها و إرتدت فستان راقي فاتح من الأمام و ضيق في الخصر و نازل طويل من الخلف ، وردى اللون بورود كبيرة صفراء. بعد ساعتين كانت السهرة في أوج فرحتها دخلت مي.
كلا …. قبل أن تدخل تلكأت بالباب حتى تعرف الأجواء فإذا بها تسمع الحوار
-و متى تصل الشاحنة الصحراء ؟
– الخميس الثانية صباحاً…
-والاستلام يستلم حسن أولاً ومن ثم يستلم أبوزيد ، و عند يوم الجمعة في وقت الصلاة يتم توزيعها للأحبة .
ثم سمعت أصوات ضحكات مجلجلة وقال أحدهم :
-دي العينة الأولى استار … 5 إستار .. .. ميكروب .
وقال آخر :
-و الشحنة الثانية يوم الجمعة مباشرة ، نفس الزمن عند طريق الميناء
ببورتسودان.
رد آخر
-شحنة السكر الأبيض !
-أكييد…
و ران صمت طويل ، فخافت مي أن يكونوا أحسوا بحركتها فدقت الباب
و ردت السلام بهدوء وهي تقول
– أحسست بالضجر ، فحبيت أجي أسهر معاكم .
وعلى المائدة أمامهم رأت مجموعة مسدسات بأحجام مختلفة ، كما رات جميلة الخادمة تجلس معهم ، وقد أشعلت سجارة للتو !
و عندما لم تجد رداً أضافت متسائلة
-وین حسن ؟ !
رحب بها الصادق صديق حسن المقرب ولم يجبها أين حسن ! ولكن لأن في أي مجموعة يوجد واحد غبي ! فقد عرفت من عيون أحدهما التي تنظر للغرفة المغلقة في آخر الصالة ، أن في الأمر شيئاً ! !
فتوجهت إليها سريعاً و فتحتها دون أن تعطي أحد فرصة ليقف أمامها .
ورات آخر ما كانت تتوقعه ! ! رات حسن عارياً وصديقه ابو النور يعتليه من الخلف على السرير …. !