الفصل الرابع
‘ عندك سحر غير عادي ! ‘
” الآن أدرك انه لم يكن سحراً ، كان لعنة . أجل لعنةٌ أحملها معي حيثما ذهبت ! ”
ضحكت عندما هتف لي أول رجل بهذه الجملة’ عندك سحر غير عادي !’
عن أي سحر يتحدث هذا الرجل ! وقد كنت فتاة عادية ، في ملامحي وتفاصيلي ! !
أول من قالها لي هو بدر الرحمن جارنا الشاب قبل عشرة أعوام ، له بشرة قمحية ناعمة ، وعيون تخاطبك بجرأة وقحة وفم صغير ، لم يكن شعره ناعما فكان يستخدم الجل ليفي بالغرض ، ويرتدي ألوان راقية وكان الابيض سيد هذه الألوان ! يضع نظارة سوداء على عينيه ، وسماعات لا تفارق أذنيه ، لكنه يخلعها عندما يراني ، فينظر لي بشغف قائلا
” عندك سحر غير عادي ! ”
فأضحك عليه . و قد قال لي مرة
-مي أنا بحبك ، تزوجيني وسأكون أسعد انسان في الكون…
ضحكت وأنا أهز رأسي بعلامة النفي ، ولكنه كان يردد جملة سحري ، كلما
راني ! !
آخر مرة التقيته قال لي
– تصدقي يا مي ، لقد كنت أقوم الليل خصيصا لأدعو الله أن تكوني لي !
وبعدها رحل من الحي ، فلم أعد أراه أبدا ……
أما النعيم الرضي ، فقد كان من أولاد الجزيرة ، مثقف واثق من نفسه وتعجبني الصفة الأخيرة فيه.
تعارفنا بسبب صعوبة المواصلات حيث كنت أقف انتظاراً لمواصلات الثورة ، فأتى ووقف بجانبي ، وتونسنا عن صعوبة المواصلات ،
وعرجنا لإنعدام الوظائف لوجود الوساطة والمحاباة التي يعمل بها الكيزان ، وغلاء المعيشة في البلاد، وأخيرا عندما حضرت الحافلة جمعتنا الصدفة في مقعدين متجاورين ، فتبادلنا ارقام الهواتف معا.
كان يبيع الكتب في المحطة الوسطى ببحري ، طلب مني أن آآتيه يوما لأري ماذا يبيع ! وعندما لم ألبي طلبه ، اتصل بي يوما ليقول
-أنا بجانب النفق انتظرك الآن لأريك ماذا أبيع ؟ !
ضحكت وقلت له
-ماذا تبيع سوي الكتب يا سيدي ؟ !
رد
-اخطأت يا سيدتي ، فأنا أبيع غذاء العقول…
– واذا لم أحضر الآن !
أقسم قائلا
– قسما سأنتظرك حتى المساء ، وأنا واثق من حضورك سيدتي…
عندما نظرت للساعة وجدتها العاشرة صباحا ، لابد ان هذا الرجل يمزح أسيمكث في الشارع ، والشمس تحييه من أعلى حتى المساء ؟ ! فحضرت اليه .
عزمني فطور في ( الروابي بيتش ) ، وعندما رفضت قال لي
– والله أنا جائع بشدة ، واذا لم تأكلي معي فلن أكل اليوم .
سألته قائلة :
– أتهدر قروشك دائماً على أي امرأة تصادفها في المواصلات ؟ !
-ابداً …. أهدرها على مي وكفى !
-ومن هي مي ، أنت لا تعرفني جيداً حتى الآن !
ابتسم بثقة قائلاً
-والآن أتت الفرصة لنعرف بعض أكثر فأكثر…
أكلنا ونحن شبه صامتين ، قال لي بعد الإفطار وهو يعطيني اللفافة التي كان يمسك بها ويقول :
-أهي مصادفة أن ترتدي اللون الأسود في هذا اليوم ؟ أنظري لقد أحضرت لك هدية تتحدث عن الأسود…
عندما فتحتها وجدتها رواية( الأسود يليق بكِ) لأحلام مستغانمي ، هتفت بصدق
-لقد اخترت هدية غير المناسبة ، فأنا لا أقرأ الكتب ابداً…
نظر لي مندهشاً
– وبماذا تغذي عقلك يا سيدتي ؟ ! فالعلم هو غذاء العقول …. والقراءة لا تضر ابدأ جربي أقرئي هذه الرواية ، وستعجبك جداً ….. أقلاها تتعلمي فنون العشق لدى الآخرين ، وليس السودانيين…
فوعدته بقراءتها ، ولكني لم أفعل !
سالته قائلة وانا اتذكر عبده
-أتقصد أن السودانيين لا يعرفون العشق !
-ابداً ، فلا يوجد شعب لا يعرف العشق ، بل السودانيين لا يقدرون المرأة جيداً ، ولا يعطونها حقها كاملاً ويتحفظون في اظهار مشاعرهم لها ! مع أن من حق المرأة ان تعرف مشاعرك ، وأن تبوح لها بحبك كل يوم …. لا أن تعتبرها خادمة !
. أخيراً وجدت المرأة السودانية من يدافع عنها …..
أخفض رأسه لمدة من الزمن وظل صامتاً، وبعد لحظات رفع لي عينان
حالمتان وهتف بعمق
-مي أنا بحبك …. لا أدري كيف أحببتك ؟ ولكني منذ أن رأيتك وانا لا أفكر في امرأة سواك …. أتقبلين الزواج بي ؟ !
تلعثمت قائلة
– معقولة يا النعيم أتطلبي للزواج في ثاني لقاء لنا ! أنت لا تعرفني ولا تعرف مشاكلي .
رد بثقته التي تعجبني
– كان عليّ أن أطلبك منذ أول لقاء لنا ….. ويكفيني ما عرفته عنك حتى
الآن …فأنا أحتاجك يا مي، احتاجك بشدة .
كنت قد تطلقت حينها من زوجي الثاني ، ولم أكمل العدة بعد ! ولكني لم تكن لدي رغبة في الزواج مُجدداً ، لقد كنت أحمل أحزاناً كثيرة بداخلي ، و
عليّ ان أضعها جانباً…
فقلت له
-لن أكذب عليك وأقول لك بأني أحبك …. لكني مُعجبة بك ، صدقني الزمن غير مناسب بالنسبة لي الآن ! لن أوعدك بأي شيء ، ولكن دع الزمن بيننا…
– أوعديني أن يكون هناك تواصل مُستمر بيننا…
-لا مشكلة سيكون.
نظر لي ونحن نفترق قائلاً
-عندك سحر غير عادي ، صدقيني !
عندها ضحكت بأعلى صوت ، دون أن أقول شيئاً . وأنا أتفحصه بعيناي ؛
له بشرة بيضاء ، وشعر داكن ، ووجه بشوش ، ينبئك بأنك إلتقيته سابقاً وإن لم تفعل ، ممتلئ القوام ، وطويل القامة ، عندما يتحدث ينتقل حول الكتب التي قرأها بذكاء دون ان يدري ، قد يكون الرجل المناسب لي يوماً ! ولحظتها رنّ سؤال في رأسي وعبده ، عبده حبيبك !
أجل عبدهـ حبيبي ، أسأتركه مرة أخرى ؟ ! سأتركه وأنتقل من رجل لآخر ؟! كلا، عبدهـ سيكون لي سيكون لي …
“سيظل طيفك يا حبيبي رونق الكون الوسيع …. كم إلتقاني يالحنين قبلته وعانقته وأكاد من فرحي أطير …. أنا كم أحبك يا حبيب هل قلت لك ؟ ! صدقاً لن تجدي الحروف اذا لم نلتق يا حبيب …. وأذوب فيك… و تذوب فيّ”
وكانت لدي عادة وهي أن أنظر للمارة ، علني أرى وجهاً يشبه وجه عبدهـ !
فأنا من دونك اعيش في فراغ …. اعلم ذلك ! أدور حول نفسي ابحث عنك في كل الوجوه ، فأكتشف أن وجهك داخلي يا حبيب ، وانك ليس لي ! !
لذا أشعر بكره تجاه هذه المرأة التي وقفت بيننا ! أكرهها بشدة ، رغم انها ليست لها ذنباً ، ولكني في داخلي ، وفي أبعد الدواخل ، أتمنى أن تموت !
رغم انه شعور يغيض و لكن ….. ليس بيدي إنها امرأة سرقت مني حتى ذكراك بخاطري ! ومن يدري قد أكون انا التي سرقت من قسوة الأيام فرحاً ليس لي…
فأنت لها في الواقع ، ولي في الخيال ، ورويداً رويدا أجدها شاركتني خيالي بك ! اكرهها…
وكالعادة أتيت راجلة للمنزل ، فأنا أحب المشي ، لأنني عادة اتمشى وأنا اتذكر عبده ، وكم مرة قطعت كبري الانقاذ ، وانا أفكر فيه.
والآن عليّ أن أفكر في نفسي…
استعادت شريط حياتها مع زوجها الثاني ( عم الطاهر) ! لقد وفر لها عمي الطاهر كل ما تحتاج ، غير الفرش لأجلها ، وأحضر مكيف نسمة خصيصاً لها ، واستأجر لها ( حبشية ) لتبقي في خدمتها ، كان طيباً ، يتكبكب فيها ، ولم تعد له ونسه في الحي سوي ” مي ” كأنه لم يصدق أنها ستكون بين يديه يوماً ! ! لم يمانع أولاده الزواج أقلاها ليجد من يرعاه في مرضه ، واتصلوا بها مهنئين ليوصوها عليه ، وكانت تعرفهم جميعاً ، وتعرف أحفاده ايضاً ، لقد كانا يسكنان في شارع واحد ، فمنزل مي في أول الشارع ، ومنزل عمي الطاهر في آخره…
وفي أول ليلة لهما عانى عمي الطاهر بشدة ، وهو يحاول الولوج اليها ! فقد كانت ” شبه مقفولة ” حيث ظلت وزوجها سبعة اشهر لم يلتقيا ! واكتمل الأمر بعد حضورها منه ، والآن جاوزت العام و لم يقربها رجل ، وقد امتلأ جسمها…
وظل يرتجف فوقها وهو يقول :
– ما تخافي يا مي ، انا بصل بصل…
وكادت تضحك وهي تتذكر ابن عمها ، لقد كان بإمكانه ان يضم عمي
الطاهر حاملاً له تحت ابطيه وهو يسير فقالت له مُشفقة :
– ارتاح يا عمي الطاهر ، ارتاح شوية ، وبعدين واصل .
لقد خشيت ان يموت وهو يُدافر فوقها !
وقد ظل عمي الطاهر يسير بالماينص معها ! فقط ثلاثة أشهر وأصيب بالبروستاتا، وصارت تتنقل معه من طبيب لآخر ، وأخيراً ركبت له قسطرة ، وقرر الطبيب اجراء عملية له ، وقد قالها الطبيب صراحة ، أمام ابنه مصطفى الذي حضر في الاجازة وهو ينظر لها ، مُشفقاً علي شبابها النضر
-لن يستطيع والدك ان يمارس حياته الزوجية ، بعد الآن !
ولكنها لم يفرق معها الأمر ، لأنها تعلم انها لم تعش حياة زوجية بعد ! بل لقد كانت معافرة في السرير ، وهي تدعى الرضا ! وينام هو بشخيره المزعج .
وتبقى هي شبه صاحية حتى الصباح ، وهي تداعب جسدها بحزن ، وكأنها تقول له وآ أسفاً عليك !
وقرر ابنائه أن يطلقها ، بينما قررت هي ان تبقى بجانبه ، حتى يجري العملية ويجد العافية.
وهي في المستشفى تمنت لو يموت عمي الطاهر ! ابسط شيء سترث جزء من هذا البيت ، وتحل مشكلتها هي وعبدهـ وأخيراً ، سيتزوجان وهما يجدان منزلاً يضمهما معاً .
وبعد ستة أشهر فقط ، صارت مُطلقة من جديد !
قالت لها أمها وهي تراها داخلة بشنطتها مرة أخرى
– كان تصبري شوية لمن يموت ، عشان ترثي في البيت ده ، يا الشفقانة ! ابتسمت وهي تنظر لأمها ، لقد اكتشفت أخيراً
أن هناك شيئاً مشتركاً بينهما !
وصرنا لا نتفق أنا وأمي ابدأ ! ولم أهتم للأمر كثيراً ، وصرت أخرج دون رضاها ، فتهيج وتصرخ هاتفه ، وهي تنظر لمنال ومنى
“انت اصلاً ما نافعة ، الله يخلي لي بناتي ديل ياهن الفين الثمرة”
وظلت منال تنظر لي بحزر ، وهي تتحاشى الجلوس معي ! !
لقد كانت صغيرة ، لا تفهم كثيراً من الأشياء .
وبعت السلسل والخاتم التي أعطاني اياهم عمي الطاهر ، لقد قررت ان أعمل في التجارة ، أقلاها أساعد في مصروف البيت.
أما ابراهيم العسكري ، والعسكري لقب له حيث كان صارماً ، وما زاد الأمر سوءاً انه كان يعمل بجهاز الأمن !
فكان يكره النساء ويعتبرهن منافقات ليس إلا ، فقد أحب واحدة وأعطت نفسها لحبيبها قبل زواجها منه بيوم ! وقد عرف بأسلوبه الأمني كل شيء ، وكاد ان يقتلها اثر ذلك ، لولا أن قامت جارية ، وهي شبه عارية في شهر العسل ، ومن يومها نادراً ما يتعامل مع النساء…
وهو عالي القوام ، ضخم الجثة ، له صلعة تمتد حتى نصف رأسه ، وشعر خفيف على جوانبها ، كبير العينان والأنف ، ممتلئ الفم ، غامق السمرة ، عندما ينظر اليك يُحلل شخصيتك من طريقه كلامك حركاتك ، بسمتك ، ايحاءات الكلام !
لقد كان يمارس مهنته حتى على أهل بيته ! وهو هادئ قليل الكلام ، ولكن عندما رأى مي تمنى لو يكون خطيباً في الساحة ليتحدث عن جمالها وسحرها وماذا فعلت له ؟ فقد اشترى بعض الحاجات من المول وكان
يحملها مفكراً بشراء المزيد منها ، عندما رفع عينيه ورأها داخلة في الجانب الآخر من المول ، قال قلبه ” فح ” ! وكاد أن يطير من مكانه ، وهو يخفق بشدة ،أما تلك الطبنحة التي في سرواله الداخلي ، فقد عملت ” تيك تريك ” وصارت في وضع الاستعداد وهي ترفع رأسها ، ولم يصدق ذلك !! أجل لم يصدق ! فقد مرت عليه اثنتي عشرة عاماً ولم تحركه امرأة ، منذ تلك العملة التي عملتها فيه صفيه ، ولم يستطع ان يضاجع امرأة ! فقد حاول كذا مرة ولكن طبنجته كانت لا تعمل ، والآن تلك الفتاة مرآها فقط ، يعمل فيه ذلك ؟!
وتذكر رواية لأجاثا كريستي التي يعشق رواياتها بعنوان ” الشيطان امرأة”
لأبد أن هذه المرأة ( مُبدلة ) كما تقول جدته لأي شيء غير عادي أنه (مُبدل) وهذه الفتاة (مبدلة) لأن بها سحر غير عادي ! وهتف لنفسه
” الصيده دي حقتي ، لأبد أن تكون كذلك ! ”
وسار نحوها ، وهي تبحث في المعروضات عن مناديل معطرة للبيبي ليستخدمها والدها ! فالجلوس الطويل صعب عليه ، احياناً يترك أثاراً مزعجة…
سار دون أي خطة للدخول اليها ! وما كان يؤمن بالحظ ، ولكن عندما ظهرت فجأة ليلي ابنة عمه التي تسكن ( العباسية ) وصرخت عند مرآها
-مي ما ممكن ! !
فردت هي باسمة
– ليلي !
وتعانقنا بحب ووداد صافي ، لمدة دقيقتان استمر سلامهما ، وهو واقفاً ينظر لهما مدركاً أنه من الآن ، صار للحظ جانباً في حياته !
ابتسم بدوره وهو يقول مردداً اسلوبها
– ليلى . وين يا بت العم ؟ !
– ابراهيم العسكري ! الليلة يوم الصدف يا ودّ عمي…
عانقها ، وتمنى لو يُعانق مي ايضاً ! وعرفتهما على بعض
-مي ، مي عبد الجبار صاحبتي في مدرسة أمدرمان الثانوية…
ابن عمي ابراهيم العسكري ، لكن ولا متذكرنا ! ناسي خالص ان له أهـل
فــي العباسية…
ورد وهو يسلم على مي ، وينظر لعينيها قائلاً:
-أبداً والله ، بس زحمة الشغل ….
ويواصل وهو يضغط على يدها ، لتصل رسالته اليها
صحبتك ، صيدة والله!
فما كان من مي الا أن ابتسمت بتحدٍ ، وهي تبادله النظرات ، وتسحب يدها
منه بقوة قائلة :
– ود عمك ، مارد والله !
وضحكوا الثلاثة معاً…
وعزمهما لشرب البارد فلم يمانعا لقد اشتاقتا لبعض كثيراً ، وسألتها ليلى
-وينك يا مي ، من تركنا الثانوي العالي وما شفتك ! عملتي شنو ؟
ردت مي ، وهي تحاول الهروب من نظرات ابراهيم الذي يجلس مقاصدها
-تزوجت يا ستي ابن عمي …سافرت للسعودية وعدت مُطلقة …
– أقلاها عملتي حاجة ! نحنا للآن لم نتزوج ، انا بدرس فنون جميلة في جامعة السودان – قسم التصميم.
حاولت ان تقول لها أنها تزوجت مرتين ، وتطلقت مرتين ! ولكنها رأت
ألا ضرورة لذلك ، وسألتها فجأة :
– وعبده يا مي ، عبده ! ألم تتزوجان ؟ !
ودق قلبها لذكراهـ ، فهزت رأسها بأسى ، ولم تجب ! فأدرك ابراهيم العسكري بفطنته أن عبده ده مربط الفرس ، وقرر أن يغير الموضوع
-يا بت عمي عرفيني بالصيدة دي اكثر ، وخلي الذكريات والأسئلة ليوم آخر …..
فردت بسرعة وهي تنظر لساعتها وقد تذكرت أن عليها عملاً لتنجزه ! فتسليمه غداً في الجامعة
-أخليكم تتعرفوا ببعض أكثر ، أسفة والله عندي تصميم مهم ، وبكره لازم اسلمه في الجامعة… أعزريني يامي نتلاقى ان شاء الله ، لازم نتلاقى ! أديني رقم تلفونك حبيبتي…
وملتها مي رقم تلفونها ، وسجلته على هاتفها ، بينما سجله العسكري فوق صلعته الكبيرة ! حاولت مي ان تعتذر وتذهب هي الأخرى ، لكن العسكري أمسكها من معصمها بشدة ، وهو يترجاها أن تبقى لدقائق !
وبقيت لستين دقيقة أخرى وهي لا تدرى لماذا بقيت، بينما العسكري كان مُندهشا من نفسه ، فهو لا يترجى أحد أبدا ! !
وأصر أن يوصلها لبيتها بعد أن رفضت ، و لكنه فعل !
كان يتمنى أن يسترخي قليلا من شدة الأعصاب التي عاناها منذ مرآها، ولكن دون جدوى ، بل زاد مسدسه استعدادا، وتمنى لو يُرجع هذا الكرسي للخلف، ويبقى معها للحظات قليلة ، ولكنه كان يعلم أن خطوة كهزه ستجعله يفقدها للابد، عليه أن يتريث فالفريسة لا تأتي لصيادها مباشرة ، ولا بد من وضع خطة لذلك ، حتى تقترب الصيدة أكثر ودون أن تدرى أين الصياد ، وفجأة ” وب ” تقع في الفخ ، ودعها وهو يفكر فيها !
وقد أخذ منها موعداً قريباً سيلتقيان بعد يومان، يومان فقط ، ونزلت من العربة ، وظل هو لمدة خمسة دقائق بعصر في مسدسه ، الذي كان مصرا أن يظهر رأسه، مخترقا سحاب البنطال !!
ولم ينام ، يومان لم ينام ولم يذهب للعمل ! فكيف سيذهب ، وهو بهذه الحالة !!
قال له صديقه الرضى عندما راه وحكى له القصة ” خلاص ، نجيب ليك أي واحدة تحل بها مشكلتك ” !
ولكنه رفض ، فهو لا يريد أي واحدة يريد مي مي عبد الجبار وكفى !
وكان يتصل بها وهو يسألها
-مي كيفك أنت كويسه يا مي ؟ !
فترد بهدوء
-أنا تمام يا العسكري … شكرا لاهتمامك.
ولكنه كان يعلم أن اهتمامه هذا كان من أجل شيء محدد آه لو يجدها تحته ويفرغ فيها هذا المسدس بكل طلقاته المؤلمة … ليرتاح، وهو يقبلها في كل حته من جسدها شاكراً فضلها له لقد ، لقد أعادته رجلاً من جديد !
وأتى اليوم الثاني ، ولم تأت ! إعتذرت … بكل بساطة بأن لها ظروفاً خاصة ، وهي لا تدرى بحالة ! وهاج فيها ، دون أن يدرى هاج
ظروف … ظروف شنو يا مي ! أنت ما عارفة حالي ! أنا جاي بحالة يعلم بها الله ، وأنت تقولي لي ظروف ! !
ونسى كل الخطط التي رسمها لتأتي له نسى نسى خطة الصياد والمصيدة ، نسى كل شيء لأنه كان يفكر في هذا المسدس الذي بين رجليه ، والذي ظل مشدودا منذ مرآها !
ولم تصدق مي و هي تسمعه لقد هتف بها
– أنعل أبو الظروف وينعل يومك يا مي ، وينعل…
وأغلقت الخط ! لقد تجاوز هذا الغبي حدوده ، من يظن نفسه ؟ !
وعندها عمل حادث ، وهو يسوق العربة بهذه الحالة ، حيث كان لا يرى أمامه ! فدخل في عربة دون أن يدري …. وجات سليمة لأنه لم يصب بسوء ، ولكن العربة تضررت ، والاسوأ من ذلك ، أن مسدسه مازال مشهراً !!
وأمر صديقه ان يتصل بها
-ألو أستاذه مي ؟
– أهلاً وسهلاً منو معاي ؟ !
-أنا الرضي ، صديق ابراهيم العسكري ….. ابراهيم ده عمل حادث بي عربيته وطلب نكلمك.
وقلقت عليه
-حادث ! حادث شنو ؟ وهو كيف حسع ؟ ! كويس ….
-اطمئني ، اطمئني ، حادث بسيط لكن العربية تدشدشت ، وهو بخير …. آهو
معاكي…
ودخل هو ، دخلت معلم
-حبيبتي ، والله اشتقت ليك…
– ابراهيم ! سلامتك مالك ؟ !
– ابدأ بعد مناقشتنا البسيطة لم أتحمل نفسي ، فدخلت في عربة أمامي ، لكني بخير…
– الحمد لله ، وانت وين حسع ؟
– في البيت بالدوحة ، أوصف ليك المكان ….
ضحكت وهي تقول:
-لا شكراً ، فأنت بخير ، الامر لا يستحق.
– القال ليك منو ، أنا بخير ؟ جسمي كلو مدشدش ! عليك الله تعالي…
-ابدأ والله لو كنت في المستشفى كان ممكن أصل ، لكن البيت ما بقدر !
-حسع بمشي المستشفى ، مستشفى الأمل – كوبر الطابق الثاني – غرفة رقم
(5) …
ضحكت وهي تقول له
-أحياناً بتكون ظريف ، واحياناً الحمد لله…
-أنا اسف على الحصل بيننا ، والله ما كان قصدي أسب ليك ! ما انت عارفة ناس الأمن ، وأساليبهم…
هزت رأسها
– لا مشكلة مع السلامة…
قاطعها
– مع السلامة كيف ؟ أنا لازم اشوفك يا مي…
– بعد تبقى كويس ، نفكر في الموضوع ده !
-أنا زي الحصان…
أنا تعبان بدونك يا مي ، تعبان شديد ، والله شوفتك
شفاء ، صدقيني !
-بطل حركاتك دي ، خلاص بحاول اتصل بيك ونحدد اللقاء
-عليك الله ما تحاولي ، بس اتصلي ، وانا سأنتظر
وأغلقت الهاتف وهي تضحك بينما ظل هو منتظراً ! وفي ثاني يوم عندما لم تتصل به ، حضر بنفسه ! اتصل بها ليقول
– أنا منتظرك علي بعد مائة متر من بيتكم ، اذا لم تحضري سأضطر للدخول!
وحضرت وكان يركب في ركشة ، ورفضت ان تركب معه ! لكنها وعدته
بالاتصال …
إلتقيا بعد ساعتين في ذات المول الذي التقيا فيه سابقاً ، نظر لها ملياً وهو يقول :
مي أنا بحبك يا مي ، بحبك شديد تتزوجيني ؟
سكتت و لم تدر ماذا تقول فهي تعرف بأنها ما عاد لها رغبة في الزواج ! فعبده يسيطر على عالمها بالكامل ، ستتزوج عبدهـ لتضمد جراح العمر الطويل…
وردت بصدق
– أنا لا أفكر في الزواج الآن…
رد بهدو
– لماذا ؟ !
-ليس لدي رغبة في الزواج ، صدقني أنا لا أستطيع أن اعطيك شيئاً ، لدى
مشاكلي الخاصة…
ولحظتها انفعل فيها
– أكيد عبده هو السبب ! ستظلي لمتين وانت تفكري فيه ، عيشي حياتك ، لقد عاش هو حياته…
اندهشت
– وانت بتعرف عبده من وين ؟ !
– أنا بعرف كل شيء عنك ، نسيتي أنا شغال في الأمن ! بعرف قصتك معاه وزواجك الأول من بشير ، وسفرك الى السعودية ، وزواجك الثاني ، وعمي الطاهر ! وأمك المتشددة على الفاضي ، وأبوك المشلول وصحباتك…
ثارت فيه
-وباي حق تعرف هذه الاشياء ؟ ! لازم تعرف انك واحد كلب من كلاب
الأمن .وانا لن أكون لك في يوم من الايام وخلي اسلوبك الأمني ينفع معاي.
لحظتها جلس في الكرسي بجوارها وثبتها بيد واحده ، وبالأخرى أشار لسحابه ، وهو يحاول ان يفتحه قائلاً.
– ما في داعي أفتح السستة ، لأريك ماذا يفعل ناس الأمن ؟ !
أنا عندي رغبة فيك ، رغبة قاتلة يابت الناس ! ومن شفتك ، وانا شادي ! عديل كده ، انا عايز لي حل معاكي…
لو عايز اتبع اسلوب ناس الأمن يمين أخلي اصحابي بس يجيبوك لي لحد سريري ، لكنك غالية عندي ، وأعطيتني احساس غالي ، وانا عاهدت نفسي
ألا أضرك ابداً ، خليك واعيه وتعالي نتزوج…
أنا لازم ارتاح ما في مره ستريحني غيرك فاهمه… قلتي شنو ؟ ! فكري لمدة أربعة وعشرين ساعة ، اما تتزوجيني او اجدك على سريري عارية لا اريد
أكثر من ذلك ! وبعدها يذهب كل منا في طريقه ، وتكون قصة وانتهت…
لحظتها نظرت له بتحدٍ ، وهي تقول
-قلت انت واحد مجنون ، وانا لن اربط نفسي بواحد مجنون في يوم من …..الايام…
ودفرت المائدة حتى وقعت بما عليها وقامت جارية ، خرجت بسرعة وقلبها يدق ! وركبت أول ركشة صادفتها ، وهي تتلفت حولها ، المجنون ده ! ما يقوم يلحق بيها كمان…
وكانت خائفة لأنه من الأمن ، بإمكانه ان يلفق لها تهمة ما ، ويأخذها للسجن وهناك ينال منها ما يريد ! أغلقت تلفونها ولكنها فتحته سريعاً ، فهو يعرف بيتها وكل شيء عنها ، واذا اراد الوصول لها سيصل واحتارت ماذا تفعل ؟
هل تخبر عبده بالقصة ؟ ! عبده وأين هو الآن ؟ ! ! لقد سافر بعد ان تزوجت عمي الطاهر بقليل خارج السودان ، ولم يعد له وجود ، وليس هناك أي تواصل بينهما…
وفكرت بطريقتها ، وقبل ان يتبع اسلوبه الأمني معها ، ستتبع هي اسلوبها الانثوي معه ! وفي المساء اتصلت به وهي تظهر أسفها وخوفها ، وتحاول البكاء والدلال :
– ابراهيم العسكري أنا ، انا اسفة على الحصل قبيل ، لكني خائفة منك …. خائفة شدید…
فلان هو بدوره ، ونسى كل النوايا السيئة التي وضعها لها !
– انا ايضاً آسف ، لقد كنت قاسياً معك…
– تصدق يدي للآن وأجعاني ، ضغطتك عليها آثاره للأن ظاهرة ، وانت بتتعامل كده ليي ؟ !
-يدك دي ألبسها إسورة ذهب ، بس انت ارضي علي يامي ، انت خائفة من شنو ؟ ! انا عايزك يا مي …رايدك ومشتهيك…
-خائفة منك يظهر انك زول صعب شديد ، في السرير حتكون برضو صعب معاي؟!
وامسك شنيه بيده ، حتى لا يطير…
-انت تعالي بس ! في السرير انا بكون خادماً بين يديك ، تقول لي اعمل بعمل ، تقول لي اقيف بقيف …. والله يا مي لو قلت لي ما تعمل ولا حاجة ،
بس انظر لي ، بنظر عمري كلو …..
وظلت تضحك
-انت جادي ، يعني ما حاتتعبني معاك ؟ !
– آهـ كفاية التعب الأنتي مُتعباني ليه ! أنا عايز ارتاح يا مي ، وراحتي بين
ايديك…
وسكت لحظة ليضيف
انا بكون مؤدب في حضرتك ، لكن المسدس البين رجليني دهـ ، أدبي انت بطريقتك !
وظلا يضحكان ، بمتعة فريدة
– خلاص انا بوعدك اني حاكون ليك في يوم من الأيام…
– لا يا مي ، قولي لي بجيك بكره ، او بعد بكره ، انا تعبان !
– انا بوعدك يا العسكري ، ما تضايقني عشان ما أغير رائي…
واستسلم ، استسلم المارد بهدؤ
– خلاص ، خلاص ، خليك براحتك بس أوعديني إنك ح تجيني
آه يا مي…
وردت بدهاء أنثوي :
– اه يا العسكري ، بوعدك حبيبي…
ووضعت السماعة وهي تهز رأسها وتقول في نفسها
“أنعل ابو سحرك يا مي ، ده عايز يجنن الراجل ! ”
وضع السماعة ، ووضع يديه الإثنان على مسدسه الداخلي ! أهـ يا مي لو تعلمي ماذا عملتي بي ؟ !
لقد كان جهازه ينتح ، وهو منتفخاً كما البالون ، دون أن يجدنفساً يريحه …
ولم ينام ! كيف ينام وهو مشدود الأعصاب ؟ يفكر فيها ليل نهار ….. فهذه الفتاة بها سحر غير عادي ….. سحر نادر لم يصادفه قبلاً ! أهـ يا مي ….. ويضع المخدة ، يلقيها جانباً ثم ينام على بطنه ! وهو يردد أهـ يامي أهـ يا حبيبتي ، لو ألقاك بجانبي الآن ….. لو ألقاك ……. أه من سحرك يا مي !!
وسافرت مي ، لم تجد حلاً سوى أن تسافر لأختها في كوستي ، لعل هذا المجنون ينساها قليلاً .
وكيف ينساها ومسدسه لا يساعده على ذلك ، فهو مازال معباً وفي وضع
الاستعداد واتصلت به معتذرة ، فأختها مريضة ولأبد أن تكون بجانبها ….. كما ذكرته بأنها على وعدها ، ولكن الظروف لا تسمح الآن ، وضحكت مضيفة بدلال “دع الأمر للأيام” !
ووضع السماعة وهو يسب لها ، ولأختها ، ولأهلها أجمعين ! وعمل بنصيحة أصدقائه ….. حيث أحضروا له فتاة لتنوم معه ، ونام معها دون أي إحساس ! لقد سيطرت مي على جميع أحاسيسه ، ومشاعره …..
كان كالرموت يؤدي عمله دون كلمة واحدة ! باختصار كان صامتاً وجامداً ، خرجت الفتاة وهي تسب وتلعن ، أعطوها قروشها ، وهي تلعن وأخيراً ، قالت لهم
– زولكم ده ما طبيعي ، شوفوا لي دكتور !
وذهبت…