آخر الأخبار
اخبارك في موعدها

*أمسية تستدعي ذاكرة السودان وتفتح نوافذ المستقبل*

*أمسية تستدعي ذاكرة السودان وتفتح نوافذ المستقبل*
*نظارة الحباب تحتفي بأعيان العبدلاب والقواسمة بكسلا.. ورسالة من شرق السودان: ما يجمع السودانيين أكبر من خلافاتهم*
كسلا – احمد بامنت
في أمسية سودانية خالصة، امتزج فيها عبق التاريخ بأحلام المستقبل واستدعت فيها الذاكرة الجمعية للسودانيين صفحات من تاريخ طويل تشكلت على امتداده ملامح الدولة السودانية احتضنت قاعة الطريفي بمدينة كسلا لقاءً أهلياً جامعاً، نظمته نظارة عموم قبائل الحباب بولاية كسلا احتفاءً بوفد أعيان وقيادات قبائل العبدلاب والقواسمة الذي يزور الولاية هذه الأيام.
لم يكن اللقاء مجرد احتفالا جامدا او مناسبة لتكريم الضيوف كما هو معتاد في مثل تلك اللقاءات لكنه كان أشبه مايكون بدرس من دورس التربية الوطنية واستطيع ان اقول بانه لقاء استدعي فيه كل تاريخ السودان القديم في لحظة وطنية عصيبة حيث تلاقت قيادات أهلية من شرق ووسط وشمال البلاد حول فكرة واحدة: أن السودان، رغم جراح الحرب وتداعياتها، لا يزال يمتلك من الروابط التاريخية والاجتماعية والثقافية ما يكفي لصناعة طريق جديد نحو التعافي والسلام والاستقرار.
وجاء اللقاء بحضور قيادات أهلية ومجتمعية بارزة، تقدمهم المانجل الجيلي محمد جماع، الوكيل العام للمناجيل عموم العبدلاب، والمانجل الأمين ناصر، مانجيل عموم العبدلاب والقواسمة ورئيس الإدارة الأهلية بولاية الخرطوم، إلى جانب الناظر فيصل المهدي يوسف جميل، رئيس المجلس الأعلى لقبائل رفاعة الكبرى، والناظر صديق محمد علي الهجايا، ناظر العبدلاب بولاية القضارف، واللواء معاش نور الدين عبدالوهاب المانجل، ناظر العبدلاب بالريف الشمالي بولاية الخرطوم.
كما شارك في الاحتفال وكيل نظارة الشكرية بولاية كسلا الأستاذ سيف الدولة أحمد أبو عاقلة أبوسن، واللواء معاش معتصم بابكر أحمد جعفر، عمدة مدينة كسلا، وممثل حكومة الولاية الدكتور محمد أحمد بابو نواي، إلى جانب عدد من قيادات الإدارات الأهلية والرموز المجتمعية والشبابية.
الحباب..
حمل اللقاء جملة من التفاصيل والدلالات حيث اكد في مجمله ان المجتمع السوداني ظل متماسك ومرتبط تاريخياً ببعضه متجاوز الحدود الجغرافية في علاقاته وتحالفاته ومصاهراته وتجارته وحركته بين كل اجزائه
ورحب الدكتور لؤي محمد عثمان، وكيل ناظر الحباب بكسلا، بالوفد الزائر، مؤكداً أن الاحتفاء بأعيان العبدلاب والقواسمة يأتي تقديراً لمكانتهم واستحضاراً لإرث تاريخي وصفه بالعميق، مشيراً إلى الإسهامات التي قدمتها قبائل العبدلاب في تاريخ السودان منذ عهد السلطنة الزرقاء والدولة السنارية.
وأكد لؤي أن العلاقات بين مكونات المجتمع السوداني لم تكن وليدة اللحظة، وإنما تشكلت عبر قرون من التداخل والتواصل، الأمر الذي يجعل من استدعاء هذا التاريخ وسيلة لتعزيز الوحدة الوطنية في الحاضر.
وأشار إلى أن السودان يقف أمام مرحلة جديدة، في ظل التطورات السياسية والعسكرية التي تشهدها البلاد، مؤكداً أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى استثمار الرصيد الاجتماعي والتاريخي للشعب السوداني في دعم الحوار والمصالحات ورتق النسيج الاجتماعي.
وقال إن اللقاء بين الحباب والعبدلاب يمثل نموذجاً لهذا التواصل، ويمكن أن يكون مدخلاً لمبادرات أوسع تتجاوز إطار المناسبات الاجتماعية إلى العمل من أجل السلام والاستقرار وبناء مجتمع أكثر تماسكاً.
وفي كلمة حملت قدراً كبيراً من الدعوة إلى التماسك والوحدة، أكد الناظر فيصل المهدي يوسف جميل، رئيس المجلس الأعلى لقبائل رفاعة الكبرى، أن اللقاءات التي تجمع مكونات المجتمع السوداني تمثل منصة مهمة لتعزيز قيم التماسك الاجتماعي وتقوية أواصر المحبة والتآخي بين أبناء الوطن.
وقال إن السودان يمضي نحو مرحلة التعافي بعد المحنة التي ألمت به، الأمر الذي يتطلب تكاتف الجميع والعمل على ترميم النسيج الاجتماعي وتقوية الروابط التي ظلت تجمع السودانيين عبر التاريخ.
وحيا الناظر فيصل نظارة الحباب على تنظيم اللقاء، مشيداً بالمبادرة وما تحمله من معانٍ تتجاوز الاحتفاء بالضيوف إلى تأكيد أهمية التواصل بين الإدارات الأهلية والقبائل السودانية.
وأشاد بالناظر كنتيباي، معدداً ما وصفها بالخصال النبيلة التي لمسها فيه، ومؤكداً عمق العلاقات التي تربط قبائل رفاعة بقبائل الحباب، فضلاً عن الروابط التاريخية والاجتماعية التي تجمعهم بقبائل الشكرية.
ومن بين أكثر الرسائل وضوحاً في حديثه، تأكيده أن القواسم المشتركة بين السودانيين أكبر بكثير من عوامل الاختلاف، داعياً إلى استثمار تلك المشتركات في تعزيز الوحدة الوطنية، وعدم السماح للخلافات السياسية أو الظروف الطارئة بأن تهدم جسوراً شيدها التاريخ عبر أجيال متعاقبة.
وتناول فيصل كذلك التداخل التاريخي والجغرافي بين السودان وإريتريا، مشيداً بمواقف الحكومة والشعب الإريتري تجاه السودان خلال الظروف الراهنة.
كما تطرق إلى ماحملته معركة الكرامة من ابتلاءات وتمحيص مشيراً إلى ما اعتبره أدواراً وإسهامات لأبناء القبائل في مواجهة الحرب، مجدداً تأكيد وقوفهم إلى جانب القوات المسلحة.
أما اللواء معاش نور الدين عبدالوهاب المانجلك ناظر العبدلاب بالريف الشمالي لولاية الخرطوم، فقد نقل الاحتفال من فضاء المناسبة الاجتماعية إلى فضاء التاريخ، مستدعياً تحالفات قديمة قال إنها شكلت إحدى اللبنات الأساسية في بناء الدولة السودانية.
وتوقف عند حلف جبل موية الذي جمع العبدلاب والفونج، مشيراً إلى أنه أسهم في وضع اللبنات التي قامت عليها دعائم السلطنة الزرقاء، بمشاركة عدد من القبائل السودانية.
وأوضح أن قبائل الحباب كانت في مقدمة قبائل شرق السودان التي انضمت إلى ذلك الحلف، مستنداً، بحسب حديثه، إلى وثائق ومخطوطات تاريخية قديمة تؤكد عمق هذه الروابط.
وفي استدعائه لشخصية عبدالله جماع، تحدث المانجل نور الدين عن دوره في جمع القبائل وتوحيد صفوفها، موضحاً أن اسمه في الأصل عبدالله الباقر، وأنه اشتهر باسم “جماع” لما ارتبط به من قدرة على جمع القبائل وتوحيدها.
ولم يكن استحضار تلك الوقائع التاريخية مجرد عودة إلى الماضي، إذ أراد المانجل من خلالها التأكيد على أن فكرة الوحدة والتآلف بين مكونات السودان ليست مفهوماً طارئاً، وإنما لها جذور ضاربة في التاريخ.
ودعا جميع مكونات المجتمع السوداني إلى التمسك بالوحدة ونبذ الفرقة، والمحافظة على وحدة البلاد وأمنها واستقرارها، مؤكداً ضرورة استصحاب التاريخ المشترك بوصفه أحد المرتكزات المهمة لبناء التماسك الوطني في المرحلة الراهنة.
ومن منصة الاحتفال، جاءت رسالة وكيل نظارة الشكرية بولاية كسلا، الأستاذ سيف الدولة أحمد أبو عاقلة أبوسن، لتؤكد أهمية الدور الذي يمكن أن تلعبه الإدارات الأهلية في مرحلة ما بعد الحرب.
ونفى أبوسن أن تكون الإدارات الأهلية سبباً في التشرذم والانقسامات والصراعات المجتمعية، محملاً السياسيين مسؤولية إشاعة الفرقة والانقسام بين مكونات المجتمع.
وأكد أن الإدارات الأهلية تضطلع بدور أساسي في رتق النسيج الاجتماعي وتعزيز التماسك المجتمعي، مشيراً إلى أن مثل هذه اللقاءات تمثل فرصة لتقوية أواصر التواصل والتقارب بين السودانيين.
وثمن الدور الذي تضطلع به نظارة الحباب، وما ظلت تقدمه من إسهامات في دعم التماسك الاجتماعي وتعزيز الاستقرار، مشيداً في الوقت ذاته بالعلاقات التاريخية التي تربط الشكرية بالعبدلاب.
وقال إن هذه الروابط الاجتماعية المتجذرة تمثل نموذجاً حياً للعلاقات التي جمعت القبائل السودانية على امتداد التاريخ، داعياً إلى البناء عليها وتوظيفها في دعم وحدة المجتمع وتماسكه، لا سيما في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.
ولم يغيب الشباب عن المشهد؛ إذ تحدث أمين شباب الحباب، الشاب طه محمد الأمين، عن عمق الروابط التي تجمع الحباب بالعبدلاب، مستشهداً بما أورده المؤرخ المعروف هاشم الخليفة بشأن العلاقات التاريخية بين الطرفين.
وأشار طه إلى ما ذكره المؤرخ حول أن أول “نقارة” للحباب كانت هدية من السلطنة الزرقاء، معتبراً أن مثل هذه الشواهد التاريخية تكشف عمق التواصل بين المكونات السودانية وتؤكد أن العلاقة بين القبائل لم تكن قائمة على الجوار الجغرافي وحده، وإنما على وشائج سياسية واجتماعية وثقافية ممتدة.
ويحمل حديث الشباب في مثل هذه المناسبات دلالة خاصة، إذ لا تبدو استعادة التاريخ مجرد احتفاء بالماضي، وإنما محاولة لنقل الذاكرة من جيل إلى آخر، وإعادة تعريف الأجيال الجديدة بتاريخ بلادها بعيداً عن سرديات الحرب والانقسام.
من “حبل موية” إلى قاعة الطريفي.. تاريخ يبحث عن المستقبل
وبينما كانت الكلمات تتوالى في قاعة الطريفي، بدا واضحاً أن المناسبة تتجاوز حدودها البروتوكولية. فالأسماء والقبائل التي اجتمعت في المكان كانت تستدعي خريطة اجتماعية واسعة للسودان؛ الحباب والشكرية والعبدلاب والقواسمة ورفاعة، وغيرها من المكونات التي صنعت عبر القرون شبكة معقدة من العلاقات والتداخلات.
ومن حلف حبل موية، الذي استُحضر باعتباره إحدى محطات التاريخ السوداني، إلى قاعة الطريفي بكسلا، بدت الرسالة واحدة في جوهرها: أن السودان لم يكن يوماً مجرد جغرافيا تفصلها الحدود بين الأقاليم، وإنما كان فضاءً واسعاً للتداخل والهجرة والمصاهرة والتحالف والتجارة وتبادل الثقافة.
وفي هذا السياق، فإن استدعاء التاريخ يصبح أكثر من ترف ثقافي؛ فهو محاولة للبحث عن عناصر القوة في المجتمع السوداني، واستعادة ما يمكن أن يشكل أرضية مشتركة للخروج من آثار الحرب.
أمسية سودانية بنكهة المستقبل
انتهت الأمسية، لكن رسائلها ظلت مفتوحة على المستقبل.
ففي وقت يبحث فيه السودان عن مخارج من أزمته الراهنة، تبدو المبادرات الاجتماعية واللقاءات الأهلية واحدة من المساحات التي يمكن أن تستعيد فيها المجتمعات ثقتها بنفسها وببعضها البعض.
ولعل القيمة الأهم للاحتفال الذي نظمته نظارة الحباب لا تكمن في الكلمات التي قيلت فحسب، وإنما في المشهد ذاته: قيادات أهلية من مناطق مختلفة تجتمع تحت سقف واحد، تستدعي تاريخاً مشتركاً، وتؤكد أن ما صنعته الأجيال السابقة من جسور لا ينبغي أن تهدمه ظروف الحاضر.
كانت تلك أمسية تستحضر السودان الذي كان، وتتطلع إلى السودان الذي ينبغي أن يكون؛ سوداناً تتسع فيه مساحة المشتركات، وتتراجع فيه مساحات الخصومة، ويصبح فيه التاريخ جسراً إلى المستقبل لا سجلاً للخلافات.
وفي قاعة الطريفي بكسلا، بدا أن الرسالة الأكثر حضوراً لم تكن بحاجة إلى كثير من الشرح:
ما يجمع أهل السودان أكبر مما يفرقهم.

شاركـ علـى
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.