آخر الأخبار
اخبارك في موعدها

أيطل الربيع؟ زكية أحمد عيسى ج 2

الفصل الثاني

 

شبكة الوريفة الإخبارية

 

” يُقال أن الحب طائر إسطوري من نار
يحلق في سماء المحبين ، ليهبهما سعادة خالدة ، ولكنه قبل أن يرحل ، لأبد أن يحرق أحداهما بناره ” .

 

سافرت الى السعودية بعد اسبوع من ارسال أوراقي الى بشير ! هل كانت جميلة ؟ لست أدري ! ! لقد كنت أبكي منذ أن كنت في مطار الخرطوم ، فلم أر شيئاً …. قالت أمي وهي تودعني في البيت قبل أن أخرج :
بعد تكبري وتعيشي في العز عمرك كلو ، ستعرفي مقدار حبي لك ….
مسكينة فهي لم تعرف كيف تعبر عن حبها ! ! وتعتقد أن سعادتي أن أعيش في عز ومال ! أخشى ان تدرك هي يوماً ، كم أهدتني من شقاء …..
كان بشير ابن عمي عالي القوام وصافي السمرة مثلي ! وهذه صفة أهل أبي ، أما أمي فهي قصيرة لها سمرة داكنة ، جرت منى ومها بقصرها هذا ……
ولكنه طيب عاملني بلطف شديد في أول ليلة ، حيث لم تتوقف دموعي عن النزول ! كانت عيوني كالسحابة الماطرة ، في ليل خريف طويل .
وأدركت انني ما صرت اتحدث ، فماذا أقول ؟ ! لقد ولي أوان الكلام الآن ……
مكثنا في الفندق اسبوع وبعدها عدنا لشقته ، اخذني في تلك الفترة للمول ومتنزه الرياض ، ووعدني أن أعمر قريباً ، فلم أهتم ! !
ما عاد لشيء قيمة في حياتي بعد فراقي من عبدهـ ، وصارت حياتي بلا ألوان ! بعد أن كان عبدهـ لونها وبهائها ، وصفائها وفرحها ، آه يا عبدهـ لم تركتني لهذه المهزلة ؟ كان عليك ان تخطفني لنسافر بعيداً ونعيش الحياة. ومرة سألني بشير
-انت مالك يا مي ؟ أشعر بأنك غير طبيعية ! !
رديت بسرعة
. أبدأ أنا بخير ! سأكون طبيعية لكن يبدو انه فراق أمي وأخواتي والسودان ……
وقربت أن أقول عبدهـ ، عبدهـ حبيبي …. حبيبي انا ! لقد كان قلبي مقسوم تركت نصفه لديه .
وفي الليل عندما أتدخن وأتعطر ، وأدلك له ، أتذكر عبدهـ ! كان من المفترض أن تكون له هذه الأشياء ، واذا كنت معه ، هل سأكون بهذا البرود ؟ ! !
فادخل للحمام وأظل أبكي زمناً، وعندما أتي لبشير أكون بلا روح ….. لقد ولت نكهتي ، وراحت فرحتي …..
وكان من المفترض ألا أفكر في عبدهـ ابداً حسب الأصول ! لكن ماذا بيدي ان افعل وعقلي لا يستجيب لي ؟ بل لقد صار صافي بشدة ، وصرت اتذكر كل لحظه مع عبدهـ ، دون ارادتي ! خاصة عندما عاد بشير للعمل ، وتركني وحيدة ….
كان لا يأتي الا الخامسة مساء منذ الصباح ! لقد كان حبساً انفرادياً ، دون أن أدري الجريمة التي ارتكبتها !
السعودية جميلة أجل ….. لقد أعطاهم الله كل ما يشتهون ، لكنهم شبه غرباء في وطنهم ! عمارات وشقق فاخرة ، ووحدة قاتلة اين لمة الجيران والجبنة يا الحبان ! يا حليل السودان ……
ان نكهة السودان لا توجد في أي مكان ، فطيبة الزول السوداني فريدة حيث يتعامل دوماً بترحاب وبنيه صافية لقد كنا نحب بعضاً دون ندري ، نسأل عن جارنا دوماً، ونزور الأهل والأصدقاء ، واذا حدثت مناسبة نجتمع معاً ، واذا مرض احد المعارف أو الأهل والجيران كنا نقف معه. كما نفق معه عند كل مصيبة او بلاء ، بكل ما نملك من أشياء بسيطة ، وكنا نقول اننا فقراء ، لكننا لم ندرك الكنوز التي كنا نمتلكها !
كنت اقضي أغلب أوقاتي في مشاهدة التلفاز ، واظل أحدق في القنوات طوال اليوم ! وجل زمني يكون للقنوات السودانية ، أشاهدها وأنا ابكي ، أتذكر الأماكن والناس والأشياء وأبكي ، تسيل دموعي دون أن أستطيع التحكم بها ……
وفي مرة لعرض الشارع النيل ومتحف السودان القومي والقاعة ، تذكرت عندما عزمنا عبدهـ لمشاهدة فلم تايتنيك الشهير بسينما القاعة ، احتجيت فقد شاهدته قبل ذلك …….
أقنعي قائلاً :
– صدقيني عندما تشاهدينه بالسينما ستكوني كأنك شاهدته أول مرة فللسينما سحر غير عادي ، ومتعة فريدة !
وقد كان صادقاً ، لقد كان للفلم دهشة أخرى بشاشة السينما الكبيرة ، وجلسنا طوال الفلم أنا وهو متماسكي الأيدي ، نرسل الإشارات عبرها ! وكأنني انا روز الجميلة ، وهو جاك الوسيم ، ولقد بكيت عند موت جاك فظل يمسح دموعي بيديه هامساً
. ألم أقل لك ان دموعك غالية عندي فلا تهدريها ، بحبك يا حنونة !
ثم تمشينا قليلاً بشارع النيل ، وشربنا شاي ، وأكلنا أيس كريم ، وعدنا للمنزل والسعادة تسير معنا ……
وفي يوم آخر عندما شاهدت بوابة (عبد القيوم )، وعرض لـ (بيت الخليفة) ، تذكرت عندما كنا نحضر أحياناً بأرجلنا من السوق ، فتذكرت طالبات جامعة القرآن الكريم بعباءته ن السوداء ! (مستشفى الولادة ) ، ومدرسة احمد بشير العبادي ، وحوش الخليفة وكل معالم مدينة امدرمان تلك ، وقد قمنا مرة مع عبدهـ بزيارة لبيت الخليفة ……..
وصار هو المرشد التاريخي لنا منذ الباب .
فقال لنا ، بجدية :
_ يعتبر بين الخليفة الذي يقع في وسط أمدرمان كما ترون ذاكرة انتصار السودانيين على الإحتلال العثماني .
شيده عام 1887م المعماري الإيطالي بيترو وهو يحتوي على مقتنيات نادرة، كما يحتوي على مقتنيات تعود إلى ما قبل الفترة المهدية .
والخليفة هو عبد الله التعايشي أو عبد الله ابن السيد محمد وشهرته الخليفة ،
ولد عام 1846 م في قرية توردات جنوب دارفور وهو من قبيلة التعايشة .
من حيث الأصل ومواطنهم وتعتبر قبيلة التعايشة أقارب قبيلة الهبانية من حيث الأصل،وموطنهم دارفور وقد نال اسمهم شهرة كبيرة بفضل إنتماء الخليفة عبد الله التعايشي لهم وفي هذا البيت كان يسكن عبد الله التعايشي بحياته وكان فيه ديوان حكمة وقد تحول إلى متحف تاريخي عام 1982م ليصبح متحفاً للآثار إلى اليوم ..
نظرت له بإعجاب وانا اقول
-حصة تاريخ ؟
رد سريعاً بابتسامة الجميلة وهو يهز رأسه ويشرح بيديه بفخر
-التاريخ هو أصل الانسان ، على كل فرد أن يعرف تاريخه الحضاري جيداً ، ويفتخر به.
عندما أدركت أنه علينا الصمت ، ليواصل هو فواصل قائلاً
– وكان عهد الخليفة من عام 1885 م حتى 1890 م حيث استلم الحكم عام
8851م بعد وفاة المهدي، بعد أربعة شهور من تحرير الخرطوم .
وقد جعله المهدي رئيسا لبيت المال ومسئول عن الأسرى والقيادات الإدارية والعسكرية بعد أن أعطاء الراية الزرقاء أولاً وقد واجهته مشكلة الولاء حيث أن الإشراف رفضوا مبايعته لأنه رجل عادي فأرادوه أن يكون آخر الخلفاء.
ويضم هذا البيت الموروثات الثقافية والتاريخية النادرة مثل مقتنيات الحاكم العام البريطاني ..
وصرنا تعلق انا وسناء على بعض الاشياء مثل ، عنقریب عثمان دقنه الذي لم نر مثله قبلاً.
وجلابية الأنصار المميزة ، وأوضحت سناء أن لجدها جلابية مثلها ، وأعجبتنا الثياب المتعددة التي تصور ملابسهم في تلك الفترة وبعض
الأدوات المنزلية والزراعية . وعندما وقفنا أمام الأسلحة قال لنا عبده موضحاً :
– هذه أسلحة المستعمر حيث استولى عليها الأنصار، إضافة للعربات التي تعد من مقتنيات الحاكم البريطاني .
حينها شعرنا بالفخر. وقد كانت هناك صور كثيرة لحياتهم قديماً حتى الحمام
موجوداً وطريقة تسخين المياه للخليفة !
كان البيت من طابقين وقد سررنا بالتجوال فيه.
أوضح لنا عبده :
. إن هذا الجزء الملحق المكون من طابقين شيد عام 1891 م
وقد وقف عبده كثيراً أمام الأعمال الفنية الموجودة متذوقا .
وعند خروجنا منه وقفنا متأملين فيه وعبده يقول لنا :
. وبذلك يعتبر بيت الخليفة بوابة المعرفة لتاريخ السودان ويأتيه السواح من الدول الأوربية ودول شرق آسيا والشرق الأوسط وهو يحتاج إلى
الاهتمام الحكومي .
وتعتبر خلافة عبد الله التعايشي من أهم فترات المهدية حيث تناولها نعوم شقير في كتابه جغرافية وتاريخ السودان في أكثر من ألف صفحة.
وقد قتل في معركة أم دبيكرات ودفن فيها.
كنا نبقي صامتين انا وبشير طوال وقتنا،يحضر من العمل مُتعباً، يأخذ دش أجهز الغداء فيأكل بصمت، وفي السرير يظل جسدي صامتاً! سألني مرة :
– مي انت م طبيعية معاي في حاجة أكيد في حاجة!!
رديت بسرعة:
– حاجة شنو! مافي اي حاجة بس الغربة صعبة…
لحظتها ضحك قائلاً:
– غربة شنو يابت، أنت يا دأب جيتي ليك يومين ،ومال انا أقول شنو!!
فضحكت معه ، ثم بكيت بحسرة وندم ،وقلت دون أن أشعر
– انا بحب عبده يا بشير !! ما تمنيت في يوم أن أكون لرجلٍ سواه… عبده هو حياتي آه يا عبده…..
فثأر قائلاً:
– انا كنت عارف إنو في حاجة!!
ما ممكن إنتي تكوني معاي ذي الصنم في كل شئ!! عبده ده منو كمان؟!
حكيت له كل شئ، وأنا أبكي….
أمسكني من كتفي بغضب ! حاول أن يقول شيئاً فلم يقدر، دفرني بشدة فوقعت علي المنضدة الزجاجية فكسرتها،بينما خرج هو من البيت…
عندما حضر بعد زمن لم أدريه وجدتي قد أغمي عليّ، والدماء تنزل من تحتي بسخاء لقد…لقد أجهضت !
في المستشفي بقيت ثلاثة أيام،كان يحضر ليبقي معي ساعة صامتاً،ويذهب وعندما خرجت البيت قال لي:
– لا تحذني يا مي سأعدل كل شئ…ستعودي للسودان قريبآ، وستتزوجي من تريدي دون ضغوط، ترددت قائلة:
– وأمي…أمي لن تقبل بذلك!
– لن أطلقك الآن،ولكن بعد عام حتي لا يتقول الناس عليك… وسأرسل لزوجة عمي مرتب شهري حتي لا تعتبرك سبباً لتغير الحال…
لم أتوقع ذلك فصرت أبكي! لا أدري أأبكي علي شهامته أم علي حالي، المهم صار الصمت حاجزاً بيننا…
كان وضعه المادي ممتازاً حيث يمتلك دكاكيناً لإسبيرات العربات، فأشتري لي كثيرآ من الأشياء،ملابس، عطور، كريمات، و ملايات، وعندما أشتري لي طقم ذهب رفضت أخذه قائلة:
– لن أخذه فأنا لا أستحق كل ذلك… لقد لقد خسرت أكثر مما يجب!
رد قائلاً:
– أنت إبنة عمي يا مي لا تنسي ذلك!!
لقد شاركت انا في هذه المشكلة كان من المفترض أن أستشيرك أولاً قبل أن أتقدم لعمي مباشرة….والآن عليّ أن أعالجها…
والخير راقد الحمد لله، لن أبخل عليك بشئ… سأتزوج يوماً ما…
ولكنه لم يتزوج، لم يتزوج أبداً !!
كان من المفترض أن أسافر قريبا للسودان ولكنه مرض فجاه لديه ضعف في عضلة القلب ، رقد في المستشفى اسبوع كامل وبعد أن خرج قال لى
. سأجهز لك أوراقك وتسافرى الأسبوع القادم . حسب اتفاقنا …
لكني رفضت ، خشيت أن أكون انا السبب في مرضه ، فقلت له :
_ لا لن أذهب الآن سابقى معك حتى تجد العافية ، ولا أقول لبيك سأكمل العام معك وبعدها تطلقني حسب كلامك ، فأعود للسودان.
. لن تبقى فانا لا أريدك أن تشفقي علىّ ابدا !
بكيت وتوسلت ان ابقى معه قائلة
_ أنسيت يا بشير انا ابنة عمك يعنى اختك قبل كل شيء ، لن أذهب قبل العام …. ليست شفقة صدقني ، ولكنها الأصول ….. ولم يتركني أن أبقى طول العام ، ولكني بقيت معه أطول فترة ممكنة ……
وكنت أعامله كأخ بالنسبة لى ولكنه قال لي ما رائك ان نتعامل كأصدقاء ؟
ابتسمت ولم أرد وأنا أتذكر عبده عندما قال لى يوما:
-اعتبريني أخ بالنسبة لك ، ولا أقول ليك الافضل أن تعتبريني صديق ، صديق وفي ، وعزيز عليك في ذات الحين !
وعندما كنت احكى له بعض الاشياء كان يقول لي في حالة انا صديق بالنسبة لك سأقوم بالآتى ، وفى حالة حبيب سيكون تصرفى مختلفاً ونضحك سوياً.
ولا أنسى يوم لحق بي ولد شاب ، وأوصلني الى منزل ناس عبدهـ وانا خائفة !
عندما حكيت له ضرب الولد حتى كاد أن يُغمى عليه، عندها غضبت جداً وهاجمته قائلة :
-يجب أن تكون عاقل وتتصرف بوعي .
رد بسرعة:
. ما في حبيب بكون عاقل ، في مثل هذا الموقف .
. غلطانة انا اعتبرتك صديق وحكيت لك القصة !
. ابدأ انا الغلطان لأني ما كسرت لي كرعينه الطوال ديل !
فصرت أضحك مُجبرة.
ولكني كنت أستشير عبدهـ في كثير من مشاكل المنزل وأقول له
( أستشيرك كصديق وفي ) فيرد باسماً
. سأكون قدر الوفاء …..
وكنت استفيد من آرائه كثيراً

سأكون قدر الوفاء …..
وكنت استفيد من آرائه كثيراً واحترمه…
صرت احسب الأيام لنلتقي انها تمضي بطيئة دون شيء ! يكفي اني سألتقيك ، اشعر ان لأيامي نكهة وطعم خاص ، وليزهر العمر في رحابك يا حبيب …..
قال لي بشير يوماً
. عندما تعودي للسودان لا أريد ان يعرف الناس انني مريض …..
حتي لا يصابوا بالقلق من أجلي او يشيلوا همي ، خاصة أسرتي …..
وصمت برهة ثم واصل
. أتوعديني بذلك ؟ !
هززت رأسي موافقة ، وأنا افكر بأن بشير مسكين راح ضحية زواج فاشل !
ولكنه مخطئ من الأول لو بس قام باستشارتي لما وصلنا لهذا الحد ، أقلاها كنا عالجنا الأمر بيننا ، دون تدخل الأهل واكمال الزواج.
والآن علينا أن نواجه الحقيقة نحن لا نصلح لبعض خاصة بعد ان عرف
علاقتي بعبدهـ ، ولو بقيت معه لأعتبرها شفقة مني ! وهذا إحساس قاتل ، والرجل كرامة قبل كل شيء لذا على ان أحترمه ، وأحترم كرامته ، واحترم كرمه معي ……
وبذا كان علي أن أعامله باحترام وبعيدا عن الشفقة ، رغم انني كثيراً ما أخاف عليه خاصة عندما يتعب .
وقال لي مرة ونحن نتناول الغداء
-أيمكن أن أسألك كصديق في موضوع ما ؟
هززت رأسي مؤيده دون ان أرد ، فقال
-كيف تنسى الحب الأول ؟
حقيقة بوغت بالسؤال لأنني تذكرت عبده حينها وهو يقول لي
” الحب الأول الصادق حقاً لا يُنسى ، بل يتجذر في الداخل !
ويكبر مع الأيام والسنين”
ويضحك مضيقآ
_ فأنا لا أصدق ولا أتخيل انك يمكن ان تنسيني يوماً ولو أفترقنا ، أتدري لماذا؟ ! لأنني مزروع في داخلك …..
وقد كان صادقاً فيما يقول ، وما انا فيه الآن يؤكد ذلك ، وخطر ببالي سؤال حينها ، وبشير ينظر لي منتظراً اجابتي هل كنت انا الحب الأول لبشير ؟ !
لم أستطع ان اسأله ، كما لم استطع أن أرد على سؤاله بل اعتذرت منه ، ودخلت الحمام !
أيمكن ذلك ؟ أن أكون حب بشير الأول ؟ لكنني لا أتذكره جيداً فهو ابن عمي ، ومقيم في السعودية وبذا لم أره سوى مرتين او ثلاثة !
وكنت صغيرة لم أنتبه لكثير من التفاصيل بيننا …. مــرة أحضر لنــا هدايا في المنزل ونادى علي قائلاً:
. تعالي يا جميلة شوفي انا جبت ليك شنو ؟
فردت عليه وانا أربع يداي وبحزم
انا أسمي مي وليست جميلة !
فضجوا جميعاً بالضحك…..
لقد أحضر لي زفافاً حينها وكان عمري عشرة أعوام ، وارتديته فرحة وبروح طفلة ، دون أن أدري بانه كان يعدني لأكون عروسه القادمة ! !
أغلقت علي الحمام وصرت ابكي ! بكيت كثيراً لأني ادري ان هناك اشياء ليس بإمكاننا إصلاحها ولو حاولنا ذلك……
فماذا أقول لبشير الآن بعد أن سرقت منه أغلى ما يملك ” عافيته ” وبعد أن سرق مني أغلى ما املك ” عبدهـ ” وكيف ستكون الموازنة فيما نحن فيه فهو يرفض ان ابقى معه وانا ارفض أن أنسى عبدهـ كل منا يحلم بأمل بعيد منه ، ويجد فيه سعادته أو يرى ذلك ! مع أننا قراب في المكان ولكننا بعاد عن بعض ، بعداً لا يقدره الزمان …..
وفي المساء لم استطع النوم صرت اتقلب طوال الليل ، بعد أن اعترفت لبشير بحبي لعبدهـ ، صرنا ننام منفصلين كل في غرفة لوحده ، ويمكن هذا أجمل قرار اتخذه بشير ، لأنني كنت أعاني من العلاقة الزوجية ، اعتبرهـا المــاً بالنسبة لي ليس الا…….
فكرت في أسرتي ، وموقف امي عندما أعود الي السودان ، أتراها ستتقبل الوضع أم تعتبرها مهزلة أخرى ، وستنكد على حياتي ! وتخطط لزواجى من جديد ، كلا …. كلا فأنا لن أتزوج سوى عبده هذه المرة ، وسأحقق حلم حياتي.
وقد عدت للسودان والشوق أطنان …. كنت سعيدة ، سعادة نادرة تحملها امرأة بطلاقها ! ! سعيدة بعودتي لبلدي ، سعيدة بأهلي ، أنظر للناس في المطار بحب وأنا أبتسم لهم بمودة ، ولو وجدت زمناً لعانقتهم فرداً ، فرداً فكما قال الفنان
” ديل أهلي البقيف في الدارة وسط
الدارة وأتنبر وأقول للدنيا ديل أهلي …… ”
هؤلاء الوجوه السمر كم أعشقهم هؤلاء النساء المتسريلات بثياب العفاف ، كم أحن لهن ، وأنا اتذكر أمي ، وأحاول نسيانها في ذات الحين !
أستمتع برؤية المطار وكأني أراهـ لأول مرة ! والطائرات الضخمة ،
والنظام الدقيق ، وأجمل شيء كان شارع النيل ، والخرطوم بالليل ، عروس يُعانقها البهاء ويحفها الحياء ! وتنام بكبرياء !
استقبلني محمد اخو بشير في المطار كان لم يعرف بموضوع طلاقي ولا أحد يعرف سوانا ! قال لي بشير وهو يسلمني أوراق الطلاق
_ الآن أنا لم أخبر أحداً ، وسأترك الأمر لك ، تخيري الوقت المناسب لتخبري الأسرة بذلك ….
ولم أدرك أنه ترك لي مهمة صعبة ، الا بعد مواجهتي لأسرتي بالأمر .
بعد أن أنتهينا من موضوع السلام والأشواق والزيارات الكثيرة مرت سبعة ايام الحضوري ، كان لأبد أن أعترف بالأمر، خاصة وأن أمي كانت مصرة أن أعمل الجنة والدخان على جسدي .
ومن أول يوم سألت عنهما ، فتعللت بالتعب وعدم معرفتي بالسعودية جيداً ، فما كان منها إلا أن أحضرت لى البت الرسامة في المنزل ، وأمرتها أن ترسم لى الحنة ! حينها أدركت أنه على أن أوضح الأمر …..
. ما بقدر أضع حنة يا أمي فأنا وبشير إنفصلنا عن بعض …..
صرخت أمي بأعلى صوت، حتى حضر الجيران
_ سجمي سجمي سجمي، والترابة في خشمى ! تعالوا عزوني في المصيبة الجاتني يا أخواني …… تعالوا عزوني ……
وفي ظرف ساعة كان كل الحي قد عرف الخبر !
منذ أن حضرت للسودان وأنا أحاول تلفون سناء وهو مغلق ! وبعد النبأ الحزين الذي نشرته ، كان لأبد أن أذهب لها . لم أشأ أن أركب ركشة ، فقد اشتقت لكثير من التفاصيل ، فضلت ركوب حافلة ، أقلاها لأرى الناس وأتفحص ملامحهم جيداً .
وفي أقل من نصف ساعة كنت قد وصلت ودقات قلبي تسبقني على الباب …..
كنت أرتجف وأنا لا أدري كيف سأقابل عبدهـ ، دون أن أدري أهو بالمنزل
أم لا !
بعد ان أرتديت أجمل ثيابي ، ووضعت مكياج راقي من أجله وتعطرت بأجمل العطور حتى يشتمه اذا تعانقنا ! ! يجب ان نتعانق فأنا اشتاق له بشدة ، واشتاق نظراته المحبة ، اشتاق ضحكته الجميلة ، اشتاق إبتسامته التي بها كلام يُقال وقصائد تُلقي …….
وأنا في الباب قبل أن أطرق عليه ، تمنيت أن تفتح لي سناء ، وبعد ان مددت يدي عليه سريعاً ما غيرت أمنيتي لو يفتح عبدهـ يكون دهـ اسعد يوم في حياتي …
و نُسفت الأمنيتان عندما فتحت الباب خالتي أمنة ، صرخت عند رؤيتي
. مي بتي جيتي متين ! يا حليلك يا بتي ……
واحتضنتني وهي تبكي ، بكيت معها بأعلى صوت يمكن لأنني كنت افتقد حضن الأم الذي يعزيني في مصيبتي ! ويمكن لأشياء أخرى لا أعرفها ! ! وعلى صوت بكائنا جاءت سناء التي صرخت عند رؤياي بأعلى صوت لا ارادياً
. مي حبيبتي حبيبتي انا !
تلك الجملة التي لم أسمعها الا من عبدهـ ، وصرخت انا فاتحة يداي
لإستقبالها ، وانا اهتف سناء ! وقبل ان ترتمي في حضني ، رأيت عبدهـ الذي أتى جارياً وقد تخضبت يداهـ بالحناء ، وعلى أثره فتاة جميلة ، خضبت يداها ورجلاها بنقش الحناء ، وهي ترتدي جلباب البيت ! ! لحظتها لم أحضن احداً ، فما عاد حضني يسعهم الثلاثة ! نظرت لهم من خلف ضباب الدموع ، وانا اقول سائلة إياه ، وأعود بخطواتي للوراء:
. عبده انت تزوجت ، تزوجت يا عبده، وانا التي تطلقت من أجلك ! !
وبعدها لم اع شيئاً حيث أغمى عليّ حينها .
تقول أمي دائماً ” الشقي يلقى العضم في الكبده ” وتقول جدتي التي يفصل بينهما عقود كثيرة ” الشقي يلاقي العضم في الفشفاش ” لماذا يتحدثان عن الشقاء ؟ !!
الآن الأولى كانت تشعر أن حفيدتها ستكون شقية ؟ ولأن الثانية شعرت بأن ابنتها ستكون شقية يوماً ما؟!! …….
عبدهـ تزوج ! لو كان يعلم مقدار الفرح الذي فرحته بالطلاق لما تزوج أبداً! لقد تطلقت لأعود إليه…عدت فرحة كغريب آب لوطنه بعد طول غياب ! ….. كجندي عاد منتصراً من معركة طويلة ….. كأم سافرت من أبنائها عمراً طويلاً ……..
فعبده هو وطني ونصري وإبني الحبيب ……..
عبدهـ هو كل شيء ….. الآن لم يعد لي شيء سوى الدموع ! ! عبدهـ تزوج امرأة أخرى ، كيف هان عليه ان يفعل ذلك ؟ ! أيضم عبدهـ امرأة غيري ! أيقبلها وانا التي لم أشعر بمتعة القبلة مع رجل سواهـ ! أيعريها ويرحل فيهـا كـل مساء وأنا التي صرت باردة لزوجي بذكرى فقدي له ! أهـ يا عبدهـ آه لو تعلم جرحي الآن …. تهاوت الأفراح والأشواق والأمال التي بنيتها بطوب الذكرى لأجلك !
عبده …… عبده …… عبده … آه يا عبده ….. سأرتدي السواد حزناً عليك .
…….. كلا …. كلا لن تكون لغيري يا عبده ، فأنا مي …..مي عبدالجبار التي أحببتها ! عادت اليك بعد طول فراق …….
خذني في حضنك يا عبده ….. أضرب خدي برفق هاتفاً بي
” استيقظي حبيبي ” لأدرك انه كان حلماً مُزعجاً ليس الا ! ! وصرخت عبدهـ واستيقظت لأجد عبدهـ بجانبي ، وقد خضبت يداه ! ! كلا لم يكن حلماً …… لقد تزوج عبدهـ ! ! !
فصارت دموعي تسيل ، وهو يمسحها بيديه الاثنتان ، هامساً
” مي حبيبتي ، حبيبتي أنا ” !
نظرت لسناء هاتفة سناء ، فأخذتني في حضنها وهي تبكي وتقول
-مي حمدلا بالسلامة ، لماذا لم تخبريني بحضورك حبيبة ؟ لقد اشتقت لك …..
أبعدها عبده عني وهو يقول لها
ـ سناء انتي نسيتي الدكتور قال شنو ؟ ! يجب أن ترتاح فأعصابها لا تحتمل مزيداً من الضغوط …….
تبينت حينها انني في المشفى والأجهزة تحيط بي ! وبعدها نمت مجدداً …….
قالت لي سناء بعد حين ، وحين آخر ، انني مكثت في المشفى ثلاثة ايام أتلقى المهدئات حيث تعرضت لإنهيار عصبي ، وصرت أصـرخ وأضحك وأبكي ، دون وعي ! وأمر الطبيب ان نبعدك عن الضغوط ، وتظلي مرتاحة بعيداً عن جو المنزل …….
وعندما سألتها عن عبده قالت لي :
-لقد ظل دائماً بجانبك ، وظلت أمك تحمر فيه بعيناها وقد قالت له
جملة واحدة
” ما قلت بتريدة الودٌاك تعرس شنو ؟ ” وصمتت لحظة ثم أضافت
” لو بتريده صحيي لعشت على ذكراها العًّمر” .. ……
فخرج من المستشفى ، ولم يعد !
ادركت حينها ان أمي كانت صادقة فما كان على عبده أن يتزوج ابدأ …….
فهو يعلم ظروف زواجي ، كان ينتظرني وسأعود له يوماً ….. وقد عدت !
قالت لي سناء يوماً :
. ان عبده مسكين يا مي فأمي مقيداه ، لم يفكر في الزواج يوماً .
ولكن بعد زواجك صار لا يحضر للبيت كل خميس كالعادة ، ولا يتصل بنا ، فقط يرسل المصاريف مع صديقه عمر، وعندما نسأله عن حاله ، يقول هو بخير ….
ولكني عندما جلست يوماً معه لوحدنا قال لي ” أنا خائف على عبدهـ لقد صار صامتاً ، نادراً ما يتحدث ! وصار يدخن بشراهة ، تصدقي عبده الذي ما كان يدخن يوماً ، صار يكمل حوالي ثلاثة صناديق سجائر في اليوم ! ”
فصرت قلقة عليه ، و من قلقي أدركت أمي ان عبدهـ ليس بخير ! فطلبت ان يحضر لتراهـ ، وإلا سوف تذهب بنفسها له في جبل أولياء ، فحضر …. كان ضعيفاً ، مسود البشرة ، شاحباً ، شارد النظرات ، عندما رأته أمي ظلت تبكي ساعة كاملة ، وبعدها قررت أن يتزوج عبده !
ضحك عبده حينها وقال
ـ لابد انك تمزحي يا أمي ! فأنا لن أتزوج غير مي …..
فردت أمي بأعلى صوت
ـ أقسمت بي جدودي الصالحين إلا تتزوج ، لو عايز عفوي ورضاي يا ولدي تتزوج …. مي عاشت حياته خلاص ، ومن حقك أن تعيش حياتك ، وكل شيء قسمة ونصيب .
وباعت أمي خاتم الجنيه الذهبي الذي كانت تضعه للزمن كما تقول ! وتعتز به فهو ذكرى الطيبين ، حيث اشتراهـ لها أبي . وذهبت لأهلها في كسلا ، وأحضرت بنت أختها ، بعد ان عقدت له هناك ، وأكملت الزواج ……
وظل عبدهـ صامتاً ، وعند حضورك ، كان قد حضر قبل يوم من شهر العسل ……
اعرف أخي ، فهو ليس سعيداً ولن يسعد ابدأ من دونك ! لكن امي كاى أم تريده أن يعيش الحياة ، وان يكون سعيداً.
كانت سناء تمسح دموعها ، وهي تحكى لى القصة . وكنت صامته أفكر في عبده ، عليه أن يطلق هذه المرأة ويتزوجني ، فسعادتنا أن نبقى معاً ، و
الآن انت الفرصة لذلك لابد ان نتزوج لنضمد كل الجراح
وكان لأبد ان نلتقى أنا و عبدهـ ، والتقينا كما تلتقى السحب الراحلة ، كما يلتقي الفرح الراحل والفرح المقيم ، التقينا ، كما تلتقي أم طفلها الضائع من سنين، التقينا ولسان حالي يقول :
يا كل أحلامي اليه …………..
يا سعد عمري ومقلتيه ……. لا ترحلي مني اليه ……… انا كم دعوت الرب يوماً أن أعانق وجنتيه ….. ان يمطتيني فارساً يجلو الحقيقة …… كاسحاً كل الحديقة …….ويصوّع عطري في يديه…. و دسست حبك في الفؤاد …… وعلمت يوماً انك ستكون لي …… تعويذتي هتفت الي …. ستكون لي ….. ستكون لي …. كم في هواك أغالب الجرح القديم …… أبكي الحنين …. تمضي السنين وأقول إنك يا حبيب ، ستكون لي …. ستكون لي …..
قال لي عبده ، عندما التقينا
ـ ماذا حدث يا مي ! لماذا انفصلت عن زوجك ؟ !
إندهشت لسؤاله ولكني أجبت بهدؤ :
. لم أستطع أن أعيش مع رجلاً سواك حبيبي .
. وابن عمك ، كيف تقبل الأمر ؟ !
فحكيت له القصة ، منذ سفري ، الى حين عودتي ، واعلان النبا لأمي !
وحضوري اليهم . فما كان منه الا أن قال
ـ انت محظوظة ، فقد تزوجتى الرجل النبيل !
وادعيت عدم معرفتي بقصة زواجه فسألته :
. وأنت لماذا تزوجت ؟ !
رد وهو يخفض بصره عني
– من بعدك تدهور حالی ، وصرت أدخن بشراهة ، ولا أحضر للمنزل ابداً ، فجمعت أمى رجال الأسرة الكبار ، وأرسلت لي . وظلت تبكي وتقسم بأنني اذا لم أتزوج فهي ما عافية على دنيا وآخره ! وأصر الرجال على زواجي فاختارت أمي العروس ، وتم الأمر …..
سألته :
. حتى انت تزوجت غصباً عنك حبيبي ؟ !
. تعرفينني كم أحب أمي وأسعى لبرها ، ما كنت لأرفض لها طلباً ……
هززت رأسي مصدقة . فعندما يتعلق الأمر ببر الوالدين ، أعرف كيف يتصرف عبده.
والآن يا عبده ، الآن ما …. أسكتني قائلاً
. لا تكملي حبيبة ، الآن لن نفترق …… سنتزوج قريباً ……
ابتسمت بفرح طاغي ….. فالحب كائن غريب ، يدغدغنا بوجود من نحب ، فنشعر بأننا أحلى وأجمل وأن الحياة أجمل …. وندعو الإله أن يهبنا مائة شمعة ، نحرقها قرباناً لرضاه…
ضيقت أمي علي الحصار ، فلا طلوع ولا دخول ولا صحبات ، بحجة أنـي مطلقة ، تلك الجريمة التي ارتكبتها دون رضاها ! وهي تردد ، بألم قائلة :
” الناس بتتكلم ، بت عبد الجبار إطلقت في تسعة شهور ! ”
حتى تمنيت لو كنت تطلقت بعد عام ! حتى تفك أمي علي الحصار ، قليلاً
وكنت أفكر في عبدهـ ، لماذا لم يظهر حتى الآن ؟ ! فقد مر شهر كامل علي لقائنا الأخير ، ولم تظهر أي نتيجة، تلفونه مغلق ! لماذا لم يطلق زوجته ، ويأتيني بشوق الدنيا ، لماذا ؟ ! !
وقصصت بقايا الكرامة المتعلقة بي ، وحضرت لهم في المنزل ! شعرت بانني غير مرغوب فيّ خاصة و أن سناء في الجامعة عندما سألت عن عبده قالت لي أمه بصراحة :
. يا بتي ابعدي عن عبده ، وخليو يعيش حياته …….
وقبل أن أرد بكلمة ، دخل عبدهـ علينا ، كان حزيناً ، شاحباً ، غير حليق ،
فعلمت ان في الأمر شيئاً ……
-عبده ، ماذا عليك ؟ !
لحظتها ردت أمه نيابة عنه
. مي يا بتي كوني عاقلة ، وأبعدي عن عبده ! عبده ما بقدر يطلق مها.
صرخت لحظتها بأعلى صوت
. نعم قلتي شنو يا حاجة ؟ ! وأنا التي تطلقت من أجله ماذا أفعل ؟ !
وقف عبده بيننا قائلاً :
-مي أهدئي ، أرجوك يا أمي اتركي الأمر لي ، سأشرح لها كل شيء ……
وامسكنى من يدي وخرجنا من المنزل معاً ، أوقف أول ركشة ركبناها سوياً ، كنت ابكى بحسرة وهو يضغط على يدي، ويقبلها كل حين ، وحتى وصلنا الشاطئ ، جلسنا بهدوء
أحضر لي ماءاً من البحر قائلاً
. البحر يغسل الأحزان ، هيا أغسلي وجهك ……
ردت عليه لأغيظه بالجملة التي يرددها لي دائماً :
. هذا نيل وليس بحراً ، وهناك فروقاً كثيرة بينهما …..
وضحكنا معاً …….
غسل وجهه معي قائلاً
ـ لا أدري ماذا أقول يا مي ! ولكني أحبك وأعرف انني من اجل حبك يمكنني أن أحطم العالم الا أمي ، وانت تعلمي مكانتها عندي ….
صمت فترة وأضاف
أمي ترفض ان أطلق مها بحجة انها ابنة اختها الوحيدة ، وانني اذا طلقتها ستخرج معها ، ولن تعود ! وقد أقسمت بذلك …… والآن أنا لا أدري ماذا أفعل ؟ ! فلن أسمح بخروج أمي من البيت ، لأي سبب من الأسباب ……
وصمت …….
لحظتها هتفت بغضب
ـ إن أمك أنانية ، تفكر في سعادة ابنة أختها فقط ، وتستغل عاطفتك تجاهها ، وبرك لها …..
نظر لي بعينان حزينتان ، شاردتان ، تائهتان ، لا يدريان ما يفعلان ! !
فواصلت بحزن طافح
. إذن دعنا نتلاقي كالملائكة ، في كل مرة !
نظر لي برغبة عارمة وقطرات من العرق على جبهته ، و قال :
ـ لست ملاكاً صدقيني ، ولكني لست شيطاناً ….. أسعد بلقاك ، بوجودك في حياتي ، وأشتهيك ، وأخاف أن أعذبك بقربي المستحيل في ذات الوقت …… لا أريد أن أدثر عاطفتي تجاهك بحروف الندم ، أحترم شخصك وأحترم نفسي ، ولن أتغير ، وستبقى في قلبي مع السنين .
قلت وأنا ألقى بناظري ارضاً
ـ إذن تزوجني يا عبده ، تزوجني لنعيش حبنا ونستمتع ببعض …… تزوجنـي لتبعدني عن أمي، وحصارها الصارم ، تزوجني لنعيش السعادة التي تحلم بها …….
ـ كيف أتزوجك في هذه الظروف التي تحيط بي ! واين سنسكن وكيف سنعيش ؟!
ومرتبي عاجز عن منصرفات الأسرة ، والزوجة ، والجامعة لسناء …….
وصمت فوضعت يداي على رأسي دون ان أقول شيئاً ! وهو يلقي بحبات الحصى على البحر ، بغضب ……
كان هناك غضب كامن في داخلي ….. حقد ….. كره….. ألم…. حزن …. توتر …… ضجر …. شوق …. حنين …. بذرة شر تبحث عن حياة ، وأنا تائهة وسط كل ذا ! ! !
وكنت أشعر بالغيرة من زوجتك فسألتك
. هل ، هل تقبلها وتنام معها كل مساء ؟ !
هززت رأسك قائلاً
ـ أبداً والله نادراً ما أقوم بذلك ، ويكون الأمر أداء واجب ليس إلا ! بدون مشاعر وأحاسيس وأظنها تعلم ذلك …….
فلن أقبل امرأة كل يوم ، وأضاجعها كل يوم ، بفرح الدنيا سواك
أوعدك بذلك ……
ـ أنا أكرهها ! ، أتخيلها معك في مناظر لن تكون لي ، فأبقى طول الليل ساهرة أفكر فيك !
ـ كونى قوية يا مي ، ولا تتخيلي أشياء لن تكون ! فأجمل الأشياء تلك التي سنعيشها معاً .
-من الأقوى ؟ هي قوية بك ، وأنا منهزمة بفقدك …..
أنا أبحث عنك فلا أجدك ! أتمناك ، فلا ألقاك !
أحلم بك وأنت في أحضانها ! لقد سرق مني القدر كثيراً من الأشياء ، حتى حلمي بك ! ! وكم تمنيت أن يتحطم خيالي ، دون أن أراه …..
فمن اين ظهرت لي هذه المرأة القروية لتسرق حلمي ! فانت لي يا عبدهـ ، والجميع يعلم ذلك …… أنت لي … أنت لي وحدي !!
وصرت أبكي بحسرة ، آه يا عبدهـ أهـ يا حبيبي …… ماذا يخبئ لي القدر ايضاً ؟ ! بعد ان أخذك مني مرتين ….. ماذا يخبئ لي ؟ ! لقد دمرت حياتي الزوجية ، لأكون لك ! فاذا بي أجدك مُتزوجاً بأخرى !
كم انا تعيسة من دونك يا عبدهـ !
. مي اهدئي أرجوك يا حبيبتي ، فالناس ينظرون لنا !
ولم أهدأ بل زدت في البكاء !
فاليعلم الناس بمصيبتي ، لقد فقدت عبده حبيبي مرتين
وفجأة أتتني فكرة مجنونة فأوضحتها
. أوعدني يا عبده ، أوعدني حبيبي ، أن لا تلمس مها حتى تتزوجني !
-أنا عارفك مجنونة يا مي ! كيف أوعدك الا المس زوجتي ؟ !
أهدئي بس وفكري جيداً ……
وشرعت في البكاء من جديد وانا أضيف
– لو كان حبك صادق لي لوعدتني . أريدك ألا تنام معها ابدأ في الفراش ،
حتى نتزوج ، هِه ، أوعدني ……
-يا مي يا بت ، بطلي حركاتك دي !
ـ الآن أدرك إنك لم تعد تحبني كالسابق ! وإلا لوعدتني ! فلماذا تعطيها نفسك اذا كنت لا تحبها ؟ !
إنها زوجتي يا مي ، أفهمي هذا الأمر ……
ـ أنا التى كان يفترض ان تكون زوجتك ، اما هي فهي زوجة في ظروف غير طبيعية انسبت ذلك ؟ لقد تزوجتها لترضى أمك ، وقد قمت
بالأمر جيداً .
ـ مي كوني عاقلة ، الزواج علاقة مقدسة ، وبها حقوق وواجبات لقد عاهدت ربي علي ذلك ……
ـ والحب أهو علاقة غير مقدسة في رائك ؟ ! انت عايز تجنني يا عبده ،
طلاق قلت ما بتطلق ، زواج قلت ما بتقدر تتزوج ! على ماذا تقدر ؟ ! ان تستمتع بزوجتك كل ليلة ، وانا اتعذب بذلك ! !
خلاص أنساني يا عبده ، من هذه اللحظة أنسى مي عبد الجبار وأخرجها من حياتك …..
وحاولت القيام بغضب فثبتني على الأرض وهو يدنو مني بشدة حتى خلته سيقبلني على مرأي من الناس ، وقال لي
ـ حاضر يا مي ، أوعدك ألا أمارس الحياة الزوجية مع زوجتي ، إلا بعد ان أتزوجك ، كده ارتحت…

قريت ما بين حاجبي بشدة وانا أقول
. أقسم على ذلك…
. مي ! !
. أقسم على ذلك لأصدقك ……
– أقسم بالله العظيم، لن أمارس الحياة الزوجية مع زوجتي مها ، الا بعد ان اتزوجك ، يا مجنونة !
وصرت أضحك بفرح بينما ظل هو ساهماً ….. أخيراً لقد انتصرت عليه !
وبذا اطمئن بأن الأمور ستسير بخير ، فسوف يسارع عبدهـ بحل معضلة زواجنا ، حتى يعيش حياته بصورة طبيعية ، وسأبعد عن رأسي كل الخيالات و الكوابيس ……
وعدت للمنزل ترافقني سعادة خفية ، كنت أفكر ان أجد لي عملاً ! ولا أدرك اين او ماذا أعمل ؟ فأنا لا أملك شيء ، حتى شهادتي الثانوية لم أستخرجها بعد …..
فكرت أن أدرس كورس كمبيوتر ، أقلاها أتعلم الطباعة ، وبعدها يمكن ان أعمل في أي مركز للطباعة والتصوير ، وبعت دبلتي لذلك ، فثأرت أمي ، وأقسمت ما في أي طلوع ، ونزول في الفاضي ! حاولت أن أشرح لها الأمر
. أمي انا عايزة أتعلم كمبيوتر ! يعني ما طالعة في الفاضي .
ـ أسمعي يابت هوي طلعة ونزلة ما عندي ، عايزة الناس يتونسوا بيك ، بت عبد الجبار العزبة ، طلعت ودخلت !
. يا أمي نحنا مالنا والناس ! خليهم يقولوا البقولوا …..
ـ لو بقولوا في غيرنا ما عندنا شغلة ، لكن رأس السوط لاحقنا ! قلت طلعه ما في ، يعني طلعه ما في ، شوفي ليك شغلة تانية …….
– ده ما بيت عبد الجبار يا أمي دهـ سجن عبد الجبار !
نظرت لي بعين ، وأغلقت الثانية وهي تقول
– سمي ذي ما دايرة ، لكن منو ما طالعة الا لبيت راجلك ! واليحصل يحصل ……
وفي سري قلت يا ربي ما يحصل فيضان يشيل بيتنا ده بي الفيهو ، ويريحنا ……
حتى الجامعة لن أستطيع قراءتها ، لقد عدت سنتي الدراسية ، ولأبد من التقديم الخاص ، و اين ساجد قروش للتعليم الخاص ؟ !
يبدو أن أمي كانت تفكر في زواجي مرة أخرى ، انا أفكر في ايجاد فرصة عمل ، تساعدني لنكمل زواجنا انا وعبدهـ …. أهـ يا حبي ، اتراك أوفيت بعهدك لي ؟ ! !
كانت مها مثل أي امرأة سودانية تتحنن ، وتتدخن مساء ، وتتعطر من أجل زوجها ، وكثيراً ما تحمل صينية الدلكة له في السرير ، ولكن عبدهـ كان بارداً منذ ان تزوجته وهو بارد ! وليس لديه نفس لكثير من الأشياء ،
لأبد من انها تلك الفتاة التي كان يعشقها ، أتراها عملت له عمل ليكون بارداً نحوي ؟ ! وفكرت في تلك الليلة الوحيدة التي يكون عبدهـ موجوداً معها في الشهر ! عليها ان تجتهد فيها أكثر ……
ورفض موضوع الدلكة بحجة أن رائحتها تبقى معه وهو ذاهب الى الشغل ، فلا داعي لها …. أزاحتها جنباً وبقيت بجانبه هو نائم في السرير ، و هي تضع يدها جانباً ، وبالأخرى تخلل له شعره ، وفي كل مرة وأخرى تلمس شفتاه ، وصدره ، وتحاول ان تحثه ، ليفعل شيئاً دون جدوى ، وعندما تذكرت أن هذا هو الشهر الرابع ، مرّ دون ان يلمسها عبده يوماً ، سألته
– عبده ماذا هناك ؟ في شنو ؟ !
أزاحها من جانبه وهو يرد بغضب
-ما في حاجة يا مي ….
لقد كان يفكر فيها ، مي ، يفكر في وعده لها ، وزلت لسانه ، وهو يذكرها ، بدلاً عن اسم زوجته ……
وأيقن عبدهـ ان عليه الإعتذار كما عليه أن يُعدل غلطته تلك . بليلة ساخنة في السرير ! !
***
وكان عمي الطاهر بحي النفق دائماً وحيداً بعد وفاة زوجته ، وسفر ابنائه الثلاثة ، وبنته الوحيدة خارج السودان ، لم يفكر في الزواج فقد تعدى الستين عاماً ، وصارت بضاعته مرمية بإهمال في داخل السروال ابـو

تـكـة ، الذي ما زال يصر ان يرتديه ، رغم مرور السنين عليه وظهور ماركات مميزة بدلاً عنه ، كان يتشبث بالماضي ، ويرى فيه رحيق العمر الجميل ، حتي المنزل ظل كما هو بديكوره وفرشه القديم ، وقد رفض عمي الطاهر السفر لخارج السودان ! فهو لا يريد أن يُدفن خارج وطنه ابدأ ، ويوم الحشر يريد أن يقوم مع الحبايب ، وهو متوسط القامة ، قليل الحجم ، قمحي اللون ، ابيض الذقن ، كان هادئاً وساكناً ، يحي الجميع ببشاشة ، يتمشى صباحاً حتى يصل أول الكبري ، ويعود أفلاً .
يشرب الحليب الصافي ، ويأكل العصيدة من حاجة التومة بملاح التقلية ، عند التاسعة كأول زبون لها تستبشر به خيراً .
ما كان لعم الطاهر شيء يقلقه ، حتى عادت مي من السعودية ، هذه البنت الصغيرة ، بها شيء غير عادي ! شيء يجعل سرواله ابوتكه ينتفخ، ولعابه يسيل ! وهذا لم يحدث لعم الطاهر من سنوات حوالى اكثر من عشرة سنوات لم يتحرك عمي الطاهر لأجل امرأة ! ولكن هذه البنت ، يبدو انها تحمل سحراً ! أجل ، أن بها شيء غير عادي ……
وتمناها عمي الطاهر، تمنى ان يمتطيها يوماً ، ليستعيد بها شبابه الأفل ، ولكن كيف له ذلك ، ان والدها في مقام ابنه ! لن يستطيع ان يُصارح احدا
ً بالأمر ، سيضحكون عليه ، مؤكد ذلك ، وهو لا يريد ان يكون مهزلة
لأحد ……..
واحسـت مـــي بذلك ، فنظرات عمي الطاهر صارت فاضحة ! وهــي تضحك في سرها عليه وتقول ” الراجل المابختشي ده ” !
ولكنها مع ذلك فكرت فيه ! فكرت فيه بجدية يوم عرفت الخبر …….
حاولت مي ان تذهب لسناء في جامعة السودان يوماً ، ولكن والدتها
لـم تقتنع بالأمر ، رفضت دون أي مبرر ! فاتصلت بها مي لتدعوها لزيارتها .
عند حضورها اعتذرت سناء بأن مشاكل الجامعة والمحاضرات والبحوث ، اخذتها من أعز صديقة لها ، وتمنت لو كانت مي معها بالجامعة لكانتا أسعد صديقتين ، واستعادتا شذى الأيام الراحلة .
وعندما سألتها مي عن أحوال الأسرة ، ردت سناء بفرح
. ما قلت ليك مها زوجة عبده حامل ……
أحست مي بأن السرير يدور بها ، كيف ذلك ؟ ! ان عبدهـ لم يفي بوعده لها إذن ، فقد مارس حياته بصورة طبيعية ، وها هي زوجته حامل ! كيف لم يفي بوعده لي ؟ ! ! !
الخائن ، لن أتركه على هذا الأمر سوف أنتقم منه …. كما أنتقم مني ، وهو يمارس حياته مع زوجته ، سيرى !
– مي في شنو مالك ؟ ! الموضوع عادي ما تعقدي الأمر .
كلا ليس عادي لقد وعدني ولم يف بوعده ، سيرى …..
فكرت مي دون أن تفصح عن دواخلها ، وبعد ذهاب سناء اتصلت بعبده فرد عليها
-مي حبيبي …… حبيبتي أنا …….
. كذاب يا عبده ، لم أعد حبيبتك ، لقد حنثت بوعدك لي ، وزوجتك حامل ……
. مي أفهمي الأمر أولاً…..
. ماذا أفهم فأنت عائش حياتك عادي ، ولا بتفكر فيني ، ولا في موضوع زواجنا !
. ابدأ يا مي لقد كانت غلطة وحاولت أن أصلحها و……..
ـ حسناً يا عبدهـ انا ايضاً سأصلح غلطتي ولن انتظرك العمر كلو ……سأتزوج ، سأتزوج أول رجل يتقدم لي ….. ولا أقول ليك ، سأتزوج عمي الطاهر ، نكاية فيك ، هِه…
وأغلقت الهاتف ، ونفسي يعلو ويهبط ، وصرت أردد في سري ” سأتزوج عمي الطاهر ”
” سأتزوج عمي الطاهر”
وخرجت من البيت بغضب ، وصوت أمي ينادي عليَّ .
كان عمي الطاهر يملأ في الأزيار أمام بيته ، وقفت أمامه وصدري يعلو ويهبط ، هتفت
-عمي الطاهر …….
دون أن أضيف شيئاً ! وقع خرطوش المياه من يدهـ وهو يحدق فيني ، ولم يقل شيئاً ……
قلت له وأنا اشير لما داخل السروال ابوتكة :
-شكلك تعبان يا عمي الطاهر ؟!
رد باسی
– تعبان شدید خلاص …..
اضفت :
-رائك شنو في من يريحك ؟ !
فقر فاهـ ، وفنقل عينيه ، كمن شاهد جثة أمامه ! فأضفت بسرعة ، لأنفي
ما جال برأسه الأبيض :
-زواج بسنة الله ورسوله يا عمي الطاهر…
ولا أظن أن عمي الطاهر ، تلقى عرضاً أجمل من هذا ، في عمره الطويل !! كان عليه ان يبلغ حبتين أسبرين حتى لا يصاب بجلطة عابرة ، خلال هذا اليوم .
لم يصدق أحداً ما يجري حتى أمها لم تصدق عندما حضر لهم متقدماً، وأعلنت هي موافقتها به زوجاً ، ضربت أمها صدرها ، وقالت
. سجمي البت جنت يا أخواني ، الدار تعرس عمي الطاهر !
هي وحدها كانت تدري أنه لم يكن جنوناً ، كان انتقاماً من عبدهـ ، لعلها تطفئ نارها وتنساه !
ولم تصدق سناء الأمر ! !
ولم يصدق عبدهـ أن الأمر سيكون حقيقة ! وصار يتشاجر مع زوجته دائماً ، وأقسم بينه ونفسه ، ألا يقربها ابداً حتى تتطلق مي من هذا العجوز ….. لقد أحرقتهما نار الغيرة معاً ، لكنا لا ندرى الى متى ستظل مشتعلة ؟

شاركـ علـى
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.